فيها ، لكن النفس قد تتخطاها إلى الخوض في منه اليدين وكيفيتهما .
فعلى كلا القولين تكون تلك الآيات محكمة أي متقنة على ما اقتضته الحكمة ، وفي بقاء المنسوخ بعيداً عن ناسخه ، والإتيان بالمجمل بنوعيه ابتلاء من الله لعباده ، فيكون عليهم مشقة وعناء في استنباط الأحكام لاحتياج ذلك إلى الإحاطة بنصوص الكتاب والسنة واستحضارها ، وفي ذكر ما لا سبيل للعباد إلى معرفة كنهه وكيفيته مع ما يتعلق بذلك من المعاني الظاهرة ابتلاء لهم ليمتاز الزائغ عن الراسخ ، وقد تقدمت حكمة الابتلاء في أوائل الرسالة .
ويبقى النظر في وجه تسمية تلك الآيات متشابهات ، والذي يظهر أنه ليس المراد أنها يشبه بعضها بعضاً ، بل المراد - والله أعلم - أن كل آية متشابهة ، أي يمكن أت تحمل على معان متشابهة في أن لا يترجح بعضها على بعض رجحاناً بيناً .
وفي حديث ( الصحيحين ) : (( الحلال بين ، والحرام بين ، وبينهما مشبهات ... . )) وفي ( فتح الباري ) : (( وفي رواية الأصيلي مشتبهات ... . وهي رواية ابن ماجه وهو لفظ ابن عون ... . ورواه الدارمي عن أبي نعيم شيخ البخاري بلفظ : (( وبينهما متشابهات )) واشتبهوا وتشابهوا يأتيان بمعنى واحد ، شأن افتعل وتفاعل في كثير من الكلام ،فالأمر الذي بين الحلال والحرام متشابه الحل والحرمة في الاحتمال ، يحتمل كلاً منهما كما يحتمل الآخر ، لا يترجح فيه ذا ولا ذاك ، فهكذا والله أعلم تكون الآية المتشابهة يتشابه فيها معنيان فأكثر ، وانطباق هذا على المجمل الذي ظاهر له واضح ، فأما الذي له ظاهر فإنما يقع حيث تكون هناك قرينة تقاوم ظهوره ، كما أوضحته في رسالتي في ( أحكام الكذب ) ، وبذلك يصير في حكم الأول ، هذا بالنسبة إلى الصحابة .
فأما من بعدهم فقد علم المسلمون أن في النصوص ما هو منسوخ نسخة نص آخر بعيد عنه ، وما هو عام خصصه نص آخر ، وما هو مطلق قيده نص آخر ، وهكذا ، فمن ل يستقرئ النصوص ويتدبرها فإنه يقف على ما هو في نفس الأمر منسوخ ولم يعلم ذلك يكون