كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

محتملاً في حقه أن يكون حكمه باقياً ، وأن يكون منسوخاً, وقس على هذا حال الباقي ، فثبت التشابه .
وأما ما لا سبيل إلى علم تأويله ، وأو قل : كنهه وكيفيته كاليدين في قوله تعالى : [ خَلَقْتُ بِيَدَيّ ] فإنه لا يبقى إلا التخرص ولا حد له فقد يتخرص الانسان وجهين ، أو أكثر ومعلوم أنه لا يتبين واحد من ذلك بياناً واضحاً ، فثبت التشابه .
وكلا القولين يمكن تطبيقه على السياق .
وأما القول الأول ؛ فأهل الزيغ يتبعون المنسوخ والمجمل ، فتارة يعيبون القرآن بالتناقض - زعموا - وبعدم البيان . وتارة يتشبثون بذلك لتقوية أهوائهم كما فعل النصارى ، إذ تشبثوا بما في القرآن من إطلاق الكلمة والروح على عيسى ، وكما فعل المشركون عندما سمعوا قوله تعالى : [ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّم ] وتارة يبتغون تأويله مع عدم تأهلهم لذلك وعدم رجوعهم إلى الراسخين ، كما فعل الخوارج في قوله تعالى : [ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ] وقوله : [ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَان ] ، ونحو ذلك .
وأما القول الثاني : فأهل الزيغ يتبعون تلك النصوص ، تارة ابتغاء الفتنة ، بأن يعيبوا القرآن والإسلام بزعم أنه جاء بالباطل فيزعمون أن لفظ [ بِيَدَيّ ] معناه أن لله سبحانه يدين مماثلتين ليدي الإنسان يجوز عليهما ما يجوز على يدي الإنسان ثم يقولون : وهذا باطل ، ثم يوجه كل منهم ذلك إلى هواه ، فنمهم من يستدل بذلك على أن القرآن ليس من عند الله ، وأن محمداً ليس بنبي ، ومنهم من يستدل بذلك على أن القرآن جاء بالبطل مجاراة لعقول الجمهور ، إلى غير ذلك . وتارة ابتغاء تأويله ، فمنهم من ذهب يتخرص تخرص هشام بن الحكم وأصحابه وغيرهم من المشبهة الضالة ، ومنهم من يحرف تلك النصوص بحملها على معاني بعيدة ، كعقول بعضهم أن اليدين هما القدرة والإرادة وغير ذلك .
وقوله تعالى : [ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا به ] ، وينطبق على كل من القولين ، إلا أنه القول الأول يكون قوله : [ وَالرَّاسِخُونَ ] عطفاً ، والمعنى أن الراسخين يعلمون تأويله أيضاً ، وعلى القول الثاني يكون قوله : [ وَالرَّاسِخُونَ ] استئنافاً ،

الصفحة 337