كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

فكذلك تأويل الأخبار بأن لله يدين هو اليدين ، والعلم الذي ينفرد الله تعالى به في شأن اليدين هو العلم بالكنه والكيفية ، فأما العلم الإجمالي الذي يتوقف عليه الإيمان بأن لله تعالى يدين على الحقيقة ، فهذا يحصل للمؤمنين ، وبه يكونون مصدقين لخبر الله عز وجل ، وبذلك يخلصون من تكذيبه ويمتازون عن الزائغين المتبعين له ابتغاء الفتنة ، وبقناعتهم به يمتازون عن الزائغين المتبعين له ابتغاء تأويله .
فإن قيل : فإن للمتعمقين أن يقولوا : الصواب عندنا من القولين المذكورين في المتشابه القول الأول ، النصوص التي تتعلق بالمعقولات كلها من المجمل الذي له ظاهر ، ولا يمكن الوثوق بأن ذلك الظاهر هو المراد ، إلا أن يقوم الدليل العقلي على وجوب ذاك الظاهر أو جوازه ، ثم نقول : إن كل نص من تلك النصوص يحتاج إلى بيانين :
الأول : بيان صحة ذاك الظاهر أو بطلانه .
الثاني : بيان المعنى المراد ، فأما البيان الأول فيحصل بالعقل ، ويحصل بقوله تعالى : [ ليس كمثله شيء ] وقوله : [ قل هو الله أحد ] السورة ،فقد بين العقل ، وهاتان الآيتان وغيرهما بطلان ظواهر تلك النصوص التي نتأولها ، فوجب أن يكون المراد بها معان أخرى صحيحة . فأما الزائغون فاتبعوا تلك الظواهر ، هم فريقان :
الأول : الملحدون القانون : هذه الأمور باطلة قطعاً ، فالشرع الذي جاء بها باطل .
الفريق الثاني : الذين يجهلون أو يتجاهلون بطلانها فيدينون بإثباتها ، والسلف وأئمتنا أبرياء من الفريقين ، غير أن السلف كانوا مع العلم ببطلان تلك الظواهر يمتنعون من الخوض في البيان الثاني ، وأئمتنا اصطدموا بالزائغين الزاعمين أن تلك الظواهر هي المعاني المرادة من تلك النصوص ويبالغون فيدعون أن تلك النصوص صريحة في تلك المعاني لا تحتمل التأويل ، فاحتاج أئمتنا إلى بيان الاحتمال ، فمن لم يجزم منهم بمعنى معين فلم يأتي بما ينكر عليه ، ومن جزم بذلك فقد ينكر عليه من يذهب إلى أن الراسخين لا يعلمون ذلك ، أي أنهم ولو علموا بطلان الظاهر ، وأن المراد غيره ، فلا يعلمون التأويل وهو المعنى المراد لاحتمال النص عدة معان ، لكن قد يقال : إذا كان المعنى الذي جزم به ذلك الجازم صحيحاً في نفسه فالخطب تسهل ،

الصفحة 340