و ذلك كالقائل : إن المراد باليدين في قوله تعالى : [ لما خلقت بيدي ] القدرة والإرادة ، فإن هذا معنى صحيح في نفسه ، للعلم بأن الله تعالى قدرة وإرادة ، وأن لها تعلقاً بخلق آدم ، فإن فرض أن المراد باليدين في الآية معنى آخر فليس في الجزم المذكور كبير حرج .
فالجواب عن هذا كله يعلم مما تقدم في هذه الرسالة وألخصه هنا بعون الله عز وجل :قولكم : (( فلا يمكن الوثوق بأن ذلك الظاهر هو المراد إلا أن يقوم الدليل العقلي على وجوب ذاك الظاهر أو جوازه )) . قول باطل مردود عليكم ، بل الحق أنه أن دل العقل الصريح - الذي يصح أن يكون قرينة بأن يكون من شأنه أن لا يخفى على المخاطب إذا تدبر - على امتناع ذاك الظاهر لم يبقى ظاهراً ضرورة أن القرينة ركن من الكلام ، وإلا كان النص برهاناً على الوقوع فضلاً عن الجواز ، ضرورة أنه إن لم يكن كذلك كان كاذباً ، وقد قامت البراهين على استحالة أن يقع الكذب من الله تعالى ولا من رسوله .
فإن قيل : لا يلزم من فرض البطلان التكذيب ، لجواز تأخير بيان المجمل الذي له ظاهر .
ومن أجاز التأخير فمحله في مجمل لا ظاهر له ، أو له ظاهر بحسب اللفظ لكن تكون هناك قرينة صحيحة كدافع ذاك الظهور ، فيبقى النص في حكم المجمل ، الذي لا ظاهر له ، على هذا إذا كان للنص ظاهر ولا قرينة تدافعه وجب الجزم بأن ذاك الظاهر هو المراد .
وهناك نصوص في الأحكام يمثلون بها لما أدعوه من جواز أن يكون للنص ظاهر غير مراد ويتأخر بيانه ، ونحن نجيب عنها إجمالاً فنقول :
ما ثبت فيه الظهور وثبت أنه لم تكن قرينة صحيحة تدافعه وثبت أنه ورد بعده ما يخالفه فإننا نصحح ذلك الظاهر ونقول : إنه هو المراد ، وإن ما ورد بعده مخالفاً فهو ناسخ له ، فإن ثبت إن المتأخر ورد قبل العمل بالمتقدم اخترنا جواز النسخ قبل العمل ، ويكون المقصود من الحكم السابق إنما هو ابتلاء المكلفين ليتبين من يتقبل الحكم بالرضا والعزم على العمل به والاستعداد له .
و على ذلك فهذا إنما يتأتى في النصوص المتعلقة بالأحكام ، دون النصوص المتعلقة بالعقائد