كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

من الدنيا، فإنه قد لا يقضي الله عز وجل له بعض تلك الحوائج، ولا يعوضه في الدنيا، بل يدخر له ثواب دعائه في الآخرة، كما ورد في أحاديث تفسير استجابة الدعاء، وقد اتفق الأمة فيما أعلم على أن المؤمن لا تحبط أعماله التي أخلص فيها واستمر على إخلاصه، ومن قال من المعتزلة: إن الكبيرة تحبط الأعمال هم الذين يقولون أن ارتكاب الكبيرة يبطل الإيمان.
وروى الخطيب بسنده إلى محمود بن غيلان ((حدثنا وكيع قال سمعت الثوري يقول نحن المؤمنون، وأهل القبلة عندنا مؤمنون في المناكحة والمواريث والصلاة والإقرار، ولنا ذنوب، ولا ندري ما حالنا عند الله، قال وكيع: وقال أبو حنيفة: من قال بقول سفيان هذا فهو عندنا شرك، نحن المؤمنون هنا وعند الله حقاً. قال وكيع: ونحن نقول بقول سفيان، وقول أبو حنيفة عندنا جرأة)).
وذكر الكوثري في (تأنيبه) ص 34 هذه الرواية، ثم ذكر عن كتاب ابن أبي العوام بسنده إلى عبيد بن يعيش قال: ((حدثنا وكيع قاتل كان سفيان الثوري إذا قيل أمؤمن أنت؟ قال: نعم، فإذا قيل له: عند الله؟ قال: أرجو. وكان أبو حنيفة يقول: أنا مؤمن هنا وعند الله. قال وكيع: قول سفيان أحب إلينا)).
وقال الكوثري ص 67: ((لكن الإيمان الشرعي إنما يتحقق عند تحقق الجزم المنافي لتجويز النقيض فمن يقول: أنا مؤمن، ولا أدري ما حالي عند الله، أو: أنا مؤمن إن شاء الله، فإن كان مراد بذلك إن الخاتمة مجهولة وأرجو الله أن يختم لي بخير فليس ذلك من منافاة الجزم في شيء، وأما إن كان مراده بذلك القول أنا مؤمن هنا ولا أدري ما إذا كان ما اعتقده إيماناً هنا إيماناً عند الله فهو شاك غير جازم بل جوز بتلك الإرادة أن يكون الإيمان خلاف ما يعتقده، فهو ليس من الإيمان في شيء، لأنه ليس من اليقين على شيء، فتبين من هذا البيان أنه لا يتصور تفاوت أصلاً بين إيمان المؤمنين من جهة الجزم ويكون النقص عن مرتبه اليقين كفراً)).
أقول: مسألة الزيادة والنقصان قد سلف النظير فيها.
فأما المسألة الأخرى فتحريرها أن هناك ثلاث قضايا:

الصفحة 375