كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

والسلمي يجعلها قيمة المجن مطلقاً كما تقوم : كانت الغنم رخيصة في عهد فلان ، كان ثمن الشاة يقوم درهمين . فإن قيل وكيف يستقيم ذلك والمجان تختلف جودة ورداءة ،وجدة وبلى ، وسلامة وعيباً ، وترخص في وقت وتغلو في آخر ؟ قلت : كأن قائل ذلك بلغه أن أقل ما قطع فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - مجن ورأى أنه لا ينبغي القطع في أقل من ذلك ، وأعوزه أن يعرف ذاك المجن أو يعرف قيمته على التعين أو يجد دليلاً يغنيه عن ذلك ، ففزع إلى اعتبار جنسه ليحمله على أقصى المحتملات احتياطاً ، أو على أولاها في نظره ، فرأى أن العشرة أقصى القيم أو أوسطها أو غالبها أو أقصى الغالب أو أوسطه . فإن قيل فهلا تحمل كلمة (( المجن )) في لفظ الجماعة على ذلك المجن المعهود الذي قطع فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - فتوافق لفظ الطحاوي ؟ قلت : يمنع من ذلك أمور .
الأول : أن الظاهر إرادة الجنس .
الثاني : قوله (( كان .... يقوم )) وهذا يقتضي تكرار التقويم ولا يكون ذلك في ذاك المجن المعين .
الثالث : أنه لا داعي إلى حمل المحفوظ على الشاذ بما يخالف الحديث الثابت المحقق وهو حديث ابن عمر . فإن قيل قد يكون ابن عمر قوم باجتهاده فقال : عشرة . قلت : هذا باطل من أوجه .
الأول : أن الواجب في التقويم أنه إذا رفعت إلى الحاكم سرقة فكان المسروق مما لا يعلم لأول وهلة أنه بالقدر الذي يقطع فيه أولا أن يبدأ الحاكم فيأمر العدول العارفين بتقويم المسروق ، وابن عمر في دينه وتقواه وورعه وعلمه بأنه سيبنى على خبره قطع أيد كثيرة لا يظن به أن يجزم إلا مستنداً إلى ما جرى به التقويم بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - .
الثاني : أن أثبت الرويات وأكثرها عن ابن عمر بلفظ : (( ثمنه)) كما تراه في ( صحيح البخاري ) مع ( فتح الباري ) وأصل الفرق بين الثمن والقيمة أن الثمن هو ما يقع عوضاً عن السلعة ، والقيمة ما تقوم به السلعة فمن اشترى سلعة بثلاثة دراهم ، وكانت تساوي أكثر أو أقل فالثلاثة ثمنها ، والذي تساويه هو قيمتها ، فإذا أتلف رجل سلعة الآخر فقومت بثلاثة دراهم

الصفحة 97