كتاب الطبقات الكبرى ط دار صادر (اسم الجزء: 2)

مَرَرْتُ عَلَى أَصْحَابِي وَهُمْ يُقَاتِلُونَ الْمُشْرِكِينَ بِمُؤْتَةَ، قُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَبْرَحُ الْيَوْمَ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ أَمَرُهُمْ، فَأَخَذَ اللِّوَاءَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَلَبِسَ السِّلَاحَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: أَخَذَ زَيْدٌ اللِّوَاءَ وَكَانَ رَأْسَ الْقَوْمِ ثُمَّ حَمَلَ جَعْفَرٌ حَتَّى إِذَا هَمَّ أَنْ يُخَالِطَ الْعَدُوَّ رَجَعَ فَوَحَّشَ بِالسِّلَاحِ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى الْعَدُوِّ وَطَاعَنَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَطَاعَنَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ أَخَذَ الْلِّوَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَطَاعَنَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ أَسْوَأَ هَزِيمَةٍ رَأَيْتُهَا قَطُّ، حَتَّى لَمْ أَرَ اثْنَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ثُمَّ سَعَى بِهِ حَتَّى إِذَا كَانَ أَمَامَ النَّاسِ رَكَزَهُ ثُمَّ قَالَ: إِلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ حَتَّى إِذَا كَثُرُوا مَشَى بِاللِّوَاءِ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: لَا آخُذُهُ مِنْكَ، أَنْتَ أَحَقُّ بِهِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: وَاللَّهِ مَا أَخَذْتُهُ إِلَّا لَكَ، فَأَخَذَ خَالِدُ اللِّوَاءَ ثُمَّ حَمَلَ عَلَى الْقَوْمِ فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ أَسْوَأَ هَزِيمَةٍ رَأَيْتُهَا قَطُّ، حَتَّى وَضَعَ الْمُسْلِمُونَ أَسْيَافَهُمْ حَيْثُ شَاءُوا وَقَالَ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ دَخَلَ وَكَانَ إِذَا صَلَّى الظُّهْرَ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ عَلَى الْقَوْمِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ صَلَّى الْعَتَمَةَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا كَانَ صَلَاةَ الصُّبْحِ دَخَلَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ تَبَسَّمَ وَكَانَ تِلْكَ السَّاعَةِ لَا يَقُومُ إِلَيْهِ إِنْسَانٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ حَتَّى يُصَلِّي الْغَدَاةَ فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ حِينَ تَبَسَّمَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بِأَنْفُسِنَا أَنْتَ، مَا يَعْلَمُ إِلَّا اللَّهُ مَا كَانَ بِنَا مِنَ الْوَجْدِ مُنْذُ رَأَيْنَا مِنْكَ الَّذِي رَأَيْنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «كَانَ الَّذِي رَأَيْتُمْ مِنِّي أَنَّهُ §أَحْزَنَنِي قَتْلُ أَصْحَابِي حَتَّى رَأَيْتُهُمْ فِي الْجَنَّةِ إِخْوَانًا عَلَى سُرَرٍ مُتَقَابِلِينَ، وَرَأَيْتُ فِيَ بَعْضِهِمْ إِعْرَاضًا كَأَنَّهُ كَرِهَ السَّيْفَ، وَرَأَيْتُ جَعْفَرًا مَلَكًا ذَا جَنَاحَيْنِ مُضَرَّجًا بِالدِّمَاءِ مَصْبُوغَ الْقَوَادِمِ»

الصفحة 130

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text