كتاب تفسير الماوردي = النكت والعيون (اسم الجزء: 2)
والقول الخامس: أن الأبصار لا تدركه في الدنيا والآخرة , ولكن الله يحدث لأوليائه حاسة سادسة سوى حواسهم الخمس يرونه بها , اعتِلاَلاً بأن الله أخبر برؤيته , فلو جاز أن يُرَى في الآخرة بهذه الأبصار وإن زِيْدَ في قواها جاز أن يرى بها في الدنيا وإن ضعفت قواها بأضعف من رؤية الآخرة , لأن ما خُلِقَ لإِدراك شيء لا يُعْدَمُ إدراكه , وإنما يختلف الإِدراك بحسب اختلاف القوة والضعف , فلما كان هذا مانعاً من الإدراك - وقد أخبر الله تعالى بإدراكه - اقتضى أن يكون ما أخبر به حقاً لا يدفع بالشبه , وذلك بخلق حاسة أخرى يقع بها الإِدراك. ثم قال: {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} فاحتمل وجهين من التأويل: أحدهما: لطيف بعباده في الإِنعام عليهم , خبير بمصالحهم. والثاني: لطيف في التدبير خبير بالحكمة.
{قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون} قوله عز وجل: {وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يتلو بعضها بعضاً فلا ينقطع التنزيل. والثاني: أن الآية تنصرف في معان متغايرة مبالغة في الإِعجاز ومباينة لكلام البشر. والثالث: أنه اختلاف ما تضمنها من الوعد والوعيد والأمر والنهي , ليكون أبلغ في الزجر , وأدعى إلى الإِجابة , وأجمع للمصلحة. ثم قال تعالى: {وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ} وفي الكلام حذف , وتقديره: ولئلا يقولوا درست , فحذف ذلك إيجازاً كقوله تعالى: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} [النساء: 167] أي لئلا تضلوا. وفي {دَرَسْتَ} خمس قراءات يختلف تأويلها بحسب اختلافها: