كتاب مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل - الفكر (اسم الجزء: 2)
..............................................................................................
ـــــــ
اجتماع الأئمة الأربعة فيها, وإنما كان يصليها الشافعي والحنفي, وكان سيدي الوالد - رحمه الله تعالى - ينكر ذلك غاية الإنكار وأجاب لما سئل عن ذلك في سنة اثنين وثلاثين وتسعمائة بما صورته: أما اجتماع إمامين بجماعتين في صلاة واحدة في وقت واحد في مسجد واحد فهذا لا يجوز, وقد نقل الإجماع على عدم جواز ذلك الشيخ أبو القاسم بن الحباب والشيخ أبو إبراهيم الغساني والقاضي جمال الدين بن ظهيرة الشافعي في جواب سؤال سأله عنه الشيخ موسى المناوي, وقال إن ذلك من البدع الفظيعة والأمور الشنيعة التي لم يزل العلماء ينكرونها في الحديث والقديم ويردونها على مخترعها القادم منهم والمقيم ونقل عن ابن عرفة أنه لما حج في سنة اثنين وتسعين وسبعمائة ورأى اجتماع الأئمة في صلاة المغرب أنكر ذلك, وقال إن ذلك لا يجوز بإجماع المسلمين لا أعلم بينهم في ذلك اختلافا قال القاضي جمال الدين بن ظهيرة, وهذا صحيح لا شك فيه, وبشاعة ذلك وشناعته ظاهرة لمن ألهم رشده ولم تمل به عصبية ودلائل ذلك من السنة الشريفة النبوية أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر, ولقد يحصل من ذلك من الضرر على المصلين في الموسم ما لا مزيد عليه وتبطل صلاة كثير منهم بسبب ذلك ويجب على ولي الأمر إزالة هذه البدعة القبيحة الشنيعة وعلى كل من بسطت يده, ويثاب ولي الأمر سدده الله ووفقه على إزالة هذا المنكر وينال به عند الله الدرجات العلية ويؤجر, وكل من قام في ذلك فله الأجر الوافر ولا يجوز لمن علم هذه البدعة السكوت عليها, بل ولا على أقل منها لقوله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ومن امتنع من طاعة ولي الأمر في ذلك فهو عاص لله ولرسوله وذلك جرحة في شهادته وقادح في إمامته فلما أجاب سيدي الوالد - رحمه الله تعالى - بهذا الجواب في سنة اثنين وثلاثين وتسعمائة اجتمع القضاة الأربعة ونائب جدة وملك النجار وأئمة في الحطيم واتفق أمرهم على أن الحنفي يشرع في الصلاة قبل الشافعي وإذا قام الحنفي لركعته الثالثة من صلاة المغرب شرع الشافعية في إقامة الصلاة والإحرام, ويطيل الشافعي القراءة حتى لا يركع في الأول إلا بعد سلام الحنفي واستمر الأمر على ذلك سنة خمس وأربعين وتسعمائة فيما أظن أو سنة ست, ثم أمر بعض نواب جدة أئمة الشافعية ألا يقيموا الصلاة ولا يشرعوا في الإقامة حتى يسلم الحنفي من صلاة المغرب, ولم يمكن مخالفته فخفت البدعة بسبب ذلك ولله الحمد على ذلك واستمر على ذلك إلى وقتنا هذا في سنة خمسين وتسعمائة.
تنبيه : قال ابن ناجي في شرح المدونة: وجمعهم في المسجد الحرام لأربع جهات كل جهة بإمام واضح ; لأنها صارت كل جهة كأنها مسجد لاختصاص إمام بها, ومسجد المدينة لا يصلي فيه إلا إمام واحد, وما ذكره شيخنا - حفظه الله - يعني البرزلي غير هذا فقد وهم فظاهر الكتاب المنع, ولو أذن الإمام, وهو الذي شاهدت شيخنا يفتي به انتهى.