كتاب مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل - الفكر (اسم الجزء: 2)
..............................................................................................
ـــــــ
قلت: والعجب منه - رحمه الله تعالى - حيث يقول هذا الكلام ومالك - رحمه الله تعالى - يقول في المدونة: من وجد مسجدا قد جمع أهله, فإن طمع في إدراك جماعة في مسجد خرج, فإن كانوا جماعة فلا بأس أن يخرجوا من المسجد فيجمعوا إلا أن يكون المسجد الحرام أو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو مسجد بيت المقدس فليصلوا فيه أفذاذا انتهى. ولم يقل مالك - رحمه الله تعالى-: إنهم يتحولون إلى غير جهة الإمام ويصلون جماعة, ولا يقال: إن جمعهم الآن بإذن الإمام وتقريره فيجوز ; لأنه على تقدير تسليم إذ الإمام في ذلك لا يفيد كما تقدم أن إذن الإمام في المكروه أو الحرام لا يبيحه, والله تعالى أعلم وهو الموفق.
فروع: الأول: لو صلى جماعتان بإمامين في مسجد واحد أساءوا وصحت صلاتهم قاله في التوضيح في فصل الاستخلاف, والله أعلم.
الثاني : قال في رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب من كتاب الصلاة وسئل عن القوم يكونون في السفينة فينزل بعضهم ويبقى بعضهم فيقيم الذين بقوا في السفينة الصلاة فيصلون, ثم يجيء الذين كانوا نزلوا يجمعون تلك الصلاة في السفينة فقال برأسه لا, فروجع فيها فقال: إنما مثال الجمع فيها مرتين, ثم قال برأسه لا, قال القاضي, وهذا أبين ; لأن الجماعة إذا كانت بموضع فلا يجوز لها أن تفترق في طائفتين فتصلي كل جماعة منها بإمام على حدة لقول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ} (التوبة: من الآية107) ألا ترى أن الله تعالى لم يبح ذلك للغزاة مع شدة الخوف وشرع لهم أن يجمعوا على إمام واحد, وكذلك أهل السفينة لا يجوز لهم أن يفترقوا على طائفتين في الصلاة فلما كان ذلك لا يجوز لهم كره للذين نزلوا إذا جاءوا أن يجمعوا الصلاة لأنفسهم إذا كان الذين بقوا قد جمعوا تلك الصلاة لئلا يكون ذلك ذريعة إلى ما لا يجوز من تفرق الجماعة لا سيما إن كان الذين بقوا إنما جمع بهم إمام راتب لهم وأجاز في المدونة أن يصلي الذين فوق سقف السفينة بإمام والذين تحته بإمام ; لأنهما موضعان فليس بخلاف لهذه الرواية والله أعلم انتهى بلفظه.
الثالث : قال البرزلي في مسائل الصلاة في سؤال قصر المسير وجواب أبي محمد لأهله فمن جملة ذلك: وأما الذين يصلون في وقت واحد بإمامين ويتبع كل إمام طائفة وهما متقاربان فيشكل على كل طائفة هل يتبعون إمامهم أو غيره فيما يسمعون من التكبير وغيره فهذا لا يجوز وصلاة من صلى ممن صار في شك هل اتبع إمامه أو غيره فاسدة, ولو أيقن أنه اتبع إمامه إلا أنه في شغل عن مراعاة ذلك قد شغله التكلف فيه فهذا لا ينبغي, ولكل إمام أن يتحرج من هذا إن تعين بفعله في فساده لصلاة الناس ولكن يقدم أحدهما فيصلي قبل الآخر, ثم يصلي الآخر إن كان في الوقت سعة وإن كان في الوقت ضيق مثل