كتاب الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ (اسم الجزء: 2)
ومِن حُكم هذه القراءة وما كان مثلها، ما لم يَثْبُتْ في المُصحفِ، ولا أُجْمِعَ عليه أَنْ تُحْكَى وتُروى، ولا يُقرأ بها في صلاةٍ، ولا فيما يُتلَى من القرآنِ، إذا لم تَنْقُلها الكافَّةُ نَقْلَ تواترٍ، وإنَّما تُقرأ كذلك ما ثَبَتَ في المصاحفِ وما نُقِلَ تواترًا، لأنَّ نَقْلَ التواتر يُوجِبُ العلمَ ضرورةً وقطعًا، وليس عندنا من القرآن الثابتِ غيرِ المنسُوخ إلَّا ما عُلَمَ ضرورةً أنَّه مِن كلامِ الرَّب سبحانه، وما لم يَنقلْه إلّا الآحادُ ولم يَبلغْ حَدَّ التواترِ فلا يَقع العِلمُ الضروريُّ به، ولا يُطلقُ القولُ بأنَّه من القرآن النزَّل، وإنْ احتَمَل عندنا أن يكون اللهُ تعالى قد أنزله على رسولِه - صلى الله عليه وسلم - ثم نَسَخَه، لكنه يُحكى ويُروى، وإن تضَمَّنَ حُكْمًا لَزِمَ العملُ به، وكان حُجّةً إن اتَّصَلَ سَندُه، وثبتَتْ عدالةُ ناقِلِيهِ، ولم يُعارِضْه ما يَدْفَعُه.
وللكلامِ على هذه القاعدةِ مَوضعٌ غير هذا (١).
---------------
= قال البيهقي عقب إيراده للحديث: "ورواه بشر بن المفضّل وإسماعيل بن عليّة ومحمّد بن أبي عدي عن خالد الحذّاء عن أبي قلابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا إلَّا قوله في أبي عبيدة فإنهم وصلوه في آخره فجعلوه عن أنس بن مالك عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وكلُّ هؤلاء الرواة ثقات أثبات والله أعلم".
وقال الحاكم في معرفة علوم الحديث (ص: ١١٤): "وهذا مِن نوع آخر علّته، فلو صحّ بإسناده لأخرج في الصحيح، إنما روى خالد الحذّاء عن أبي قلابة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أرحم أمتي. . . " مرسلًا، وأسندَ ووَصَلَ: "إنَّ لكلِّ أُمَّةٍ أمينًا وأبو عبيدة أمين هذه الأمة" هكذا رواه البصريّون الحفاظ عن خالد الحذّاء وعاصم جميعا، وأُسقط المرسل من الحديث وخُرّج المتّصل بذكر أبي عبيدة في الصحيحين".
وقال الخطيب البغدادي في الفصل للوصل (٢/ ٦٧٧): "لم يكن أبو قلابة يسند جميع المتن، وإنما كان يرسله غير ذكر أبي عبيدة وحده فإنه كان يسنده عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. . . ".
وقال ابن حجر في الفتح (٧/ ١١٧): "وإسناده صحيح إلا أن الحفّاظ قالوا أن الصواب في أوّله الإرسال والموصول منه ما اقتصر عليه البخاري، والله أعلم".
(١) وهذا قول جمهور أهل العلم، وخالف المالكية وبعض الشافعية ورواية عن أحمد.
انظر: البحر المحيط (١/ ٤٧٥ - ٤٨٠)، المنهاج في ترتيب الحجاج (ص: ٦٣)، شرح الكوكب المنير (٢/ ١٣٨)، إرشاد الفحول (ص: ٢٧).