كتاب ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها (اسم الجزء: 2)
وكذا ردَّ هذا القول العلامة الألباني1.
ثالثاً: قول البيهقي: "وكيف يكون ذلك من قول أبي هريرة، وهو يأمر بالقراءة خلف القراءة فيما جَهَرَ فيه وفيما خافت؟ ".
وقد أجاب عنه ابن القَيِّم رحمه الله، فقال: " ... فالمحفوظ عن أبي هريرة أنه قال: اقرأ بها في نفسك، وهذا مطلق ليس فيه بيان أن يقرأ بها حال الجهر، ولعله قال له يقرأ بها في السرِّ والسكتاتِ، ولو كان عاماً فهذا رأي له، خَالَفَهُ فيه غيره من الصحابة، والأخذ بروايته أولى2"3.
فابن القَيِّم - رحمه الله - لا يرى تعارضاً بين قول أبي هريرة - لمن سأله عن القراءة خلف الإمام -: "اقرأ بها في نفسك". وبين قوله في حديثنا هذا: "فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه ... "؛ فإن قوله: اقرأ بها في نفسك. محمول على القراءة في السِّريَّة، وفي سكتات الإمام في الجهرية. وقوله في هذا الحديث: فانتهى الناس ... أي: عن القراءة أثناء قراءة الإمام، إذ تحصل مع ذلك المنازعة والمخالجة للإمام. فحديث ابن أكيمة الذي معنا ليس فيه أن الناس تركوا القراءة بالكلية فيحتج به على القائلين بقراءة الفاتحة فيما جهر فيه الإمام، والحديث الآخر "اقرأ بها في نفسك" ليس فيه الأمر بالقراءة على كل حال حتى في أثناء قراءة الإمام. وبهذا تتفق الأدلة ولا يضرب بعضها بعضاً.
__________
1 التعليق على المشكاة: (1/270) ح 855.
2 يعني: دون رأيه.
3 تهذيب السنن: (1/392 - 393) .