عن أبيه عن أبي سعيد، ورواه الثوري مرسلًا عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورواية الثوري أصح وأثبت، وقال الدارقطني: المرسل المحفوظ، وقال الشافعي: وجدته عن ابن عيينة موصولا ومرسلا، ورجّح البيهقي المرسل (¬1)، وقال النووي في "الخلاصة": هو ضعيف، وقال صاحب "الإِمام": حاصل ما عُلل به الإِرسال، ولم يصب ابن دحية (¬2) حيث قال: هذا لا يصح من طريق من الطرق، وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
والحديث فيه دلالة على أن الأرض كلها تصح فيها الصلاة ما عدا المقبرة والحمام، فأما المقبرة -[وهي مثلثة الباء وكمكنسة على مفعلة بكسر اليم] (1)، وهو المحل الذي يدفن فيه الموتى- فهو لا يصح فيه الصلاة (¬3)، وظاهره سواء كان على القبر أو بين
¬__________
(أ) بهامش الأصل.
__________
= قلتُ: هذا الحديث أعله الترمذي بالاضطراب في المتن والسند:
أما المتن: فإنه يخالف الحديث: "جُعِلَتْ لي الأرضُ مسجدا وطهورا" أخرجه البخاري 1/ 435 ح 335، ومسلم 1/ 370 ح 3 - 521. وقد أجيب أن الحديث عام وحديث أبي سعيد هنا خاص فهو مخصص للعموم.
وأما السند: فروي عن أبي سعيد مرسلًا وموصولا، وقد رجح كثير من العلماء رواية الإرسال لأن روايها أثبت. وللحديث شواهد أخرى تدل عليه. فيما أخرجه ابن حبان من حديث عبد الله بن عمرو: "نهى عن الصلاة في المقبرة"، وحديث أنس: "نهي أن يصلي بين القبور" ابن حبان 105 ح 342 - 345) (الموارد)، وط أخرجه أبو داود من حديث علي: "نهاني أن أصلى في المقبرة" 1/ 329 ح 490.
(¬1) السنن 2/ 435.
(¬2) في كتاب التنوير. التلخيص 1/ 277.
(¬3) حكم الصلاة في المقبرة:
أ) ذهب الإمام أحمد إلى تحريم الصلاة في المقبرة وإليها. وسواء كان في القبور أو في محل منفرد عنها، وله رواية أخرى: تصح إن لم تكن نجسة.
ب) ذهب الشافعي أنه إن تحقق أن المقبرة منبوشة لم تصح صلاته فيها بلا خلاف، وإن تحقق عدم نبشها صحت بلا خلاف وهي مكروهة كراهة تنزيه، ومع الشك تصح مع الكراهة ولا تصح.
جـ) وروى عن علي وابن عباس وعطاء وأبي حنيفة والنخعي أنهم كرهوا الصلاة في المقبرة.
د) جوز الإمام مالك الصلاة بدون كراهية، وينسب إلى أبي هريرة والحسن البصري. وقال الإمام مالك: لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى على الجارية السوداء في المقبرة. المجموع 3/ 150، المغني 2/ 67، البحر 1/ 216 - 217. والعلة في ذلك:
لأن التراب فيه صديد الموتي ودماؤهم ولحومهم، وقيل لحرمة الميت، وقيل سدا لذريعة الشرك وتعظيم غير الله وهو الأولى، والله أعلم.