كتاب البدر التمام شرح بلوغ المرام (اسم الجزء: 2)

وظاهر الحديث أن ذلك مشروع قبل أن يجلس فإن خالف وجلس فصرح جماعة بأنه لا يشرع له التدارك (¬1)، وفيه نظر لما رواه ابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي ذر أنه دخل المسجد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أَرَكَعتَ ركعتَيْن؟ " قال: لا، قال: "قُمْ فاركعهما" (¬2) وترجم عليه ابن حبان أن تحية المسجد لا تفوت بالجلوس، وكذلك ما سيأتي من قصة سُليك الغطفاني (¬3).
وقال المحب الطبراني (¬4): يحتمل أن يقال: وقتها قبل الجلوس وقت فضيلة، وبعده وقت جواز، أو يُقَال: وقتهما قبله أداء وبعده قضاء، ويحتمل أن مشروعيتهما بعد الجلوس على ما إذا لم يَطُل الفصل، وقد أخرج ابن أبي شيبة حديث أبي قتادة من وجه آخر: "أعطوا المساجد حقها، قيل: وما حقها؟ قال: ركعتين قبل أن تجلس" (¬5).
[وبقي الكلام فيمن يكثر تردده إلى المسجد (¬6) ويتكرر هل تتكرر عليه التحية؟ قال بعضهم: لا، وقاسه على الحطابين والفكاهين المترددين إلى مكة في سقوط الإِحرام عليهم. والحديث يدل على تكرار التحية بتكرار الدخول، قلتُ: والقول بالتكرار أولى (¬7)، وهل يدخل في ذلك من دخل المسجد ولم يجلس؟ ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل. . ." إلخ أنه يدخل في عمومه المجتاز، ونازع في ذلك ابن دقيق العيد (¬8) لظاهر قوله، صلى الله عليه وسلم: "فلا يجلس حتى يصليَ ركعتَيْن" لأنه علَّق النهي عن الجلوس بالصلاة فإذا لم يكن جلوس انتفى النهي، وقيل: وفيه نظر لأن الجلوس بخصوصه ليس هو
¬__________
(¬1) المجموع 3/ 502، 503.
(¬2) ابن حبان 101 ح 322 (موارد).
(¬3) في كتاب الجمعة وسيأتي تفصيل الخلاف في ذلك.
(¬4) الفتح 1/ 538 وفي كتب الفقه تفصيل أكثر. انظر المجموع 3/ 502، 503، والمغني 2/ 135.
(¬5) مصنف ابن أبي شيبة 1/ 340.
(¬6) إحكام الأحكام 2/ 475.
(¬7) المجموع 3/ 502.
(¬8) إحكام الأحكام 2/ 468.

الصفحة 416