كتاب البدر التمام شرح بلوغ المرام (اسم الجزء: 2)

مست النار (¬1). قال النووي (¬2): ودعوى النسخ باطل لأن هذا الحديث الأخير عام وذلك خاص، والخاص مُقَدَّم على العام. ويجاب عنه بأن ذلك وارد على قول من يقول: إن العام المتأخر مخصص بالخاص المتقدم كما هو مذهب الشافعي، وأما على قول من يقول إنه ناسخ فهو مستقيم دعوى النسخ (¬3).
وأقرب ما يستروح له من تقوية النسخ موافقة الخلفاء الأربعة وأكابر الصحابة والتابعين، وأظهر من ذلك ما رواه في "الشفاء" عن علي - رضي الله عنه - قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العَشْر الأواخر من شهر رمضان المُعَظَّم، فلما نادى بلال بالمغرب أُتِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بكَتِف جَزُور مشوية، فأمر بلالا فكَفَّ هنيهة، فأكل - عليه السلام - وأكلنا، ثم دعا بلبن إبل قد مذق له (أ)، فشرب وشربنا، ثم دعا بالغسل فغسل يده من غمر اللحم ومضمض فاه ثم تقدم فصلى بنا ولم يحدث طهورا.
والجزور اسم لما يجزر (ب) من الإبل والبقر ولعله في الإبل أظهر. وقد أوّل
¬__________
(أ) ساقطة من ب.
(ب) في جـ: لما جزر.
__________
(¬1) حديث جابر: "كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما غيرت النار" ابن خزيمة 1/ 28، أبو داود 1/ 133 ح 192، النسائي 1/ 90، والبيهقي 1/ 155، والمنتقى 21 - 22. وفي الباب أحاديث أخرى.
(¬2) شرح مسلم 1/ 657 - المجموع 2/ 60.
(¬3) وذكر ابن قدامة في المغني أنه لا يصح لوجوه أربعة:
الأول: إن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل متأخر عن نسخ الوضوء مما مست النار أو مقارن له بدليل أن قرن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل بالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم وهي مما مست النار فإما أن يكون النسخ حصل بهذا النهي، وإما أن يكون بشيء قبله، فإن كان به والأمر بالوضوء من لحوم الإبل مقارن لنسخ الوضوء مما غيرت النار، فكيف يكون منسوخا به؟ ومن شروط النسخ تأخر الناسخ وإن كان الناسخ قبله لم يجز أن ينسخ بما قبله.
الثاني: إن أكل لحوم الإبل إنما نقض لكونه من لحوم الإبل لا لكونه مما مست النار ولهذا ينقض وإن كان نيئا.
الثالث: إن خبرنا صحيح مستفيض ثبتت له قوة الصحة والاستفاضة والخصوص، وخبرهم ضعيف لعدم الوجوه الثلاثة.
الرابع: ذكره الشارح. المغني 1/ 187.

الصفحة 45