كتاب كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح (اسم الجزء: 2)
فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا أبا هريرة ما فعل أسيرك؟ ". قلت: يا رسول الله! شكا حاجة شديدة وعيالًا فرحمته فخليت سبيله، فقال: "أما إنه قد كذبك وسيعود" فرصدته، فجاء يحثو من الطعام فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذا آخر ثلاث مرات، إنك تزعم أن لا تعود ثمَّ تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}، حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما فعل أسيرك؟ " قلت: زعم أنَّه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، قال: "أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال؟. ذاك الشيطان".
قلت: رواه البخاري (¬1) في الوكالة في باب: إذا وكل رجلًا فترك الوكيل شيئًا فأجازه الموكل فهو جائز، وفي باب صفة إبليس وجنوده من كتاب بدء الخلق، قال الحميدي: ولم يصل البخاري سنده بهذا الحديث بل رواه تعليقًا انتهى. (¬2)
قال النوويّ (¬3): وما قاله الحميدي غير مسلم، فإن البخاري قال في البابين: وقال: عثمان بن الهيثم ثنا عوف عن محمَّد بن سيرين عن أبي هريرة والمذهب الصحيح المختار عند العلماء المحققين، أن البخاري إذا قال: قال فلان وهو من شيوخه محمول على سماعه واتصاله، وكذلك غيره إذا لم يكن مدلسًا، وعثمان بن الهيثم من شيوخ البخاري الذين روى عنهم في صحيحه انتهى كلام النوويّ (¬4)، ورواه النسائيُّ في اليوم والليلة متصلًا ولم يخرجه مسلم.
¬__________
(¬1) أخرجه البخاري في الوكالة (2311)، وفي باب بدء الخلق (3275).
(¬2) الجمع بين الصحيحين (3/ 258).
(¬3) انظر: الأذكار (136 - 137).
(¬4) انظر: كلام الحافظ في الفتح (4/ 487)، وتغليق التعليق (2/ 295 - 296)، وراجع: الفتوحات الربانية (3/ 147)، ورواية النسائيُّ في اليوم والليلة برقم (958) و (959).