كتاب السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة (اسم الجزء: 2)

في هذا الوقت سوى اثنين من الصحابة .. يقول أحد الصحابة: (إنه لم يبق مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في تلك الأيام الذي يقاتل فيهن غير طلحة وسعد" (¬1)، وقد قاتل طلحة حتى قطعت أصابعه وشلّت يده .. رآها أحد الذين أدركوا الجاهلية والإِسلام واسمه: قيس بن أبي حازم فقال: (رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - قد شلّت) (¬2).
أثناء هذه الظروف العصيبة والجراح الدامية .. انتشر الخبر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يزال على قيد الحياة .. تداعى الصحابة من كل مكان (فلما عرفوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهضوا به معهم نحو الشعب، ومعه أبو بكر وعمر وعليّ وطلحة والزبير والحارث بن الصمة في رهط من المسلمين، ولما أسند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشعب، أدركه أُبيّ بن خلف وهو يقول:
يا محمَّد .. لا نجوت إن نجوت، فقال القوم: أيعطف عليه يا رسول الله رجلٌ منّا؟ فقال: دعوه، فلما دنا تناول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحربة من الحارث بن الصمة) (¬3)، أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - الحربة وهو في أشدّ حالات الإعياء والعطش .. لدرجة أنه كان يمشي ويسقط .. ولكنه استجمع قواه ليبعث بها مع حربة الحارث بن الصمة إلى هذا الطاغوت النزق ..
¬__________
= عند المقدسي في المختارة (3/ 42) والطبرانيُّ في مسند الشاميين بسند فيه تابعي مجهول عن أنس (2/ 128).
(¬1) حديث صحيح رواه البخاري عن أبي عثمان النهدي (4060 - 4061).
(¬2) حديث صحيح رواه البخاري (3724).
(¬3) سنده صحيح رواه ابن إسحاق ومن طريقه أبو نعيم (482) وقد مر معنا وللحديث شواهد .. ولم أذكر بقية الحديث لأنه من بلاغات ابن إسحاق دون سند وهو قوله:
يقول بعض القوم -فيما ذكر لي-: فلما أخذها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -أى الحربة- انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشُّعْر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله فطعنه بها طعنة تدأد منها عن ظهر فرسه مرارًا. والشُّعُر: ذباب أزرق يؤذي الإبل.

الصفحة 225