كتاب السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة (اسم الجزء: 2)
ودع النبي - صلى الله عليه وسلم - صاحبيه فانصرفا وهما ثقيلان لا يطيقان ذلك الوداع. تَوَجَّها والحزن إلى المدينة .. وتوجه - صلى الله عليه وسلم - إلى صحابته بعد هذا الدرس الذي تغلغل في أعماقهم وسرى في دمائهم .. وعاد - صلى الله عليه وسلم - إلى العمل من جديد .. فجعل - صلى الله عليه وسلم - لجيشه رايةً ولواءً .. والراية هي علم الجيش .. واللواء أصغر منها و (كانت رايته - صلى الله عليه وسلم - سوداء ولواؤه أبيض) (¬1) .. ورايته (كانت سوداء مربعة من نمرة (¬2)) (¬3).
وتحت هذه الراية نظم - صلى الله عليه وسلم - أصحابه صفوفًا أو صفًا .. لأن الله يحب ذلك {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} (¬4) .. متماسك وقوي ولذلك فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رأى خللًا في الصف سارع إلى تقويمه .. يحدثنا أبو أيوب الأنصاري عن ذلك فيقول:
(صففنا يوم بدر فندرت منا نادرة أمام الصف، فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم فقال: معي .. معي) (¬5) .. وجعل جزءًا منهم خلف الصفوف وفي أماكن مناسبة تمكنهم من مراقبة تحركات الأعداء .. وتقديم المعلومات
¬__________
(¬1) حديثٌ حسنٌ. صحيح ابن ماجة (2/ 133).
(¬2) بردة من صوف.
(¬3) حديث صحيح. صحيح أبى داود (2/ 491) عدا قوله: مربعة.
(¬4) سورة الصف.
(¬5) سنده قوى. رواه أحمد (5/ 420) من طريق موسى بن داود وعبد الله بن المبارك حدثنا .. وأخبرنا ابن لهيعة حدثني يزيد بن أبى حبيب أن أسلم أبا عمران التجيبي حدثه أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: ... وهذا السند قد خلا من علة اختلاط ابن لهيعة لأن أحد تلميذيه هو ابن المبارك .. وشيخه يزيد بن أبي حبيب المصري ثقة فقيه من رجال الشيخين (التقريب 2/ 363) وقد سمع من التابعي المصري الثقة أسلم بن يزيد التجيبي (التقريب 1/ 64).