كتاب الفرج بعد الشدة للتنوخي (اسم الجزء: 2)

وَقَالَ: أَحْسَنت يَا أَبَا صَدَقَة.
فَلَمَّا سَمِعت مَا خصني بِهِ من استحسانه، قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن لهَذَا الصَّوْت حَدِيثا عجيبا، أَفلا أحَدثك بِهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لَعَلَّه يزْدَاد حسنا.
فَقَالَ: بلَى، هَات.
فَقلت: كنت يَا سَيِّدي، عبدا لبَعض آل الزبير، وَكنت خياطا مجيدا، أخيط الْقَمِيص بِدِرْهَمَيْنِ، والسراويل بدرهم، وأؤدي ضريبتي إِلَى سَيِّدي فِي كل يَوْم دِرْهَمَيْنِ، وآخذ مَا فضل عَن ذَلِك، فَبَيْنَمَا أَنا ذَات يَوْم منصرفا، وَقد خطت قَمِيصًا لبَعض الطالبيين، وَقد أخذت مِنْهُ دِرْهَمَيْنِ، وانصرفت إِلَى مَوضِع يجْتَمع فِيهِ المغنون، كنت أقصده إِذا فرغت من شغلي، لشغفي بِالْغنَاءِ، فَلَمَّا صرت بحذاء بركَة الْمهْدي، إِذا أَنا بسوداء على رقبَتهَا جرة، تُرِيدُ أَن تملأها من مَاء العقيق، وَهِي تغني بِهَذَا الصَّوْت، أحسن غناء يكون، فَأَصَابَنِي من الطَّرب بغنائها مَا أذهلني عَن كل شَيْء.
فَقلت لَهَا: فدَاك أبي وَأمي، ألقِي عَليّ هَذَا الصَّوْت.
فَقَالَت: استحسنته؟ فَقلت: إِي وَالله.
فَقَالَت: وَحقّ الْقَبْر وَمن فِيهِ، لَا أعدته إِلَّا بِدِرْهَمَيْنِ.
فَدفعت الدرهمين إِلَيْهَا، فأحدرت جرتها عَن رقبَتهَا فارغة، فَوَضَعتهَا

الصفحة 399

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text