كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

فَقُلْنَا أَسْلِمُوا إِنَّا أَخُوكُمْ ... وَقَدْ سَلِمَتْ مِنَ الإِحَنِ الصُّدُورُ

أي: إِنَّا إِخْوَانُكُمْ. وقولُ جَرِيرٍ (¬1):
إِذَا آبَاؤُنَا وَأَبُوكَ عُدُّوا ... أَبَانَ الْمُقرِفَات مِنَ الْعِرَابِ

وهو كثيرٌ جِدًّا في كلامِ العربِ، ومنه قولُه هنا: {عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ} والعدوُّ: هو الذي يُعَادِيكَ، ويتربصُ بكَ الدوائرَ، وَكُلَّمَا وجدَ فرصةً لِضَرَرِكَ ضرَّكَ [وشياطين الإنس والجن يُعَادُونَ الأنبياءَ والرسلَ (عليهم الصلاةُ والسلامُ)] (¬2) وهم أعداءُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
وقولُه: {شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ} الشياطينُ: جمعُ الشيطانِ، والشيطانُ في لغةِ العربِ: هو كُلُّ عَاتٍ متمردٍ في الطغيانِ. فَكُلُّ مَا زَادَ وَبَرَزَ في جِنْسِهِ بِأَنْ زَادَ طغيانُه وعصيانُه وعُتُوُّه تُسَمِّيهِ العربُ: (شيطانًا)، سواء كان من الإنسِ أو من الجنِّ أو من غيرِهما. فَكُلُّ عَاتٍ متمردٍ فهو شيطانٌ (¬3)، سواء كان من الإنسِ كقولِه هنا: {شَيَاطِينَ الإِنْسِ} وقولِه: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكْمْ} [البقرة: آية 14] أي: عُتَاتِهِمُ المتمردين من رؤساءِ الكفرةِ من الإنسِ. وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ جريرٍ (¬4):
أَيَّامَ يَدْعُونَنِي الشَّيْطَانَ مِنْ غَزَلٍ ... وَكُنَّ يَهْوَيْنَنِي إِذْ كُنْتُ شَيْطَانَا

أَيْ: مُتَمَرِّدًا عاتيًا. هذا أصلُ الشيطانِ في لغةِ العربِ، ومن
¬_________
(¬1) مضى عند تفسير الآية (46) من هذه السورة.
(¬2) في هذا الموضع وقع انقطاع في التسجيل، وما بين المعقوفين [ ... ] زيادة ليتسنى ربط أطراف الكلام وأجزائه بعضها مع بعض.
(¬3) مضى عند تفسير الآية (43) من سورة الأنعام مما سبق.
(¬4) مضى عند تفسير الآية (43) من سورة الأنعام.

الصفحة 144