كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
سِرًّا في خفية. كل هذا يُسَمَّى وحيًا. ومن إطلاقِ الوحيِ على الإشارةِ قولُه في قصةِ زكريا: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11)} [مريم: آية 11] أي: أشارَ إليهم على أظهرِ التَّفْسِيرَيْنِ. ويؤيدُه قولُه: {أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا} [آل عمران: آية 41] لأَنَّ الرمز: الإشارةُ. فدلَّ على أن الوحيَ في حَقِّهِ: الإشارةُ. وَيُطْلَقُ الوحيُ على الكتابةِ، وإطلاقُ الوحيِ على الكتابةِ كثيرٌ في كلامِ العربِ جِدًّا، ومنه قولُ لبيدٍ في معلقتِه (¬1):
فَمَدَافِعُ الرَّيَّانِ عُرِّيَ رَسْمُهَا ... خَلَقًا كَمَا ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلاَمُهَا
فـ (الوُحِيَّ): جَمْعُ (وَحْي)، وهو الكتابةُ في الحجارةِ. وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ بكثرةٍ، ومنه قولُ عنترةَ (¬2):
كَوَحْي الصَّحَائفِ مِنْ عَهْدِ كِسْرَى ... فَأَهْدَاهَا لأَعْجَمَ طِمْطِمِي
ومنه قولُ غيلانَ ذي الرمةِ (¬3):
سِوَى الأَرْبَعِ الدُّهْمِ اللَّوَاتِي كَأَنَّهَا ... بَقِيَّةُ وَحْيٍ فِي بُطُونِ الصَّحَائِفِ
أي: كتابة. وكذلك منه قولُ جريرٍ (¬4):
كَأَنَّ أَخَا الْكِتَابِ يَخُطُّ وَحْيًا ... بِكَافٍ فِي مَنَازِلِهَا وَلاَمِ
أي: خَطًّا.
¬_________
(¬1) البيت في شرح القصائد المشهورات (1/ 130)، اللسان (مادة: وحى) (3/ 892).
(¬2) البيت في فتح القدير (3/ 324).
(¬3) السابق.
(¬4) البيت في ديوانه ص 375، وشطره الأول: (كأن أخا اليهود ... ).
الصفحة 148