كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

وسلامُه) صغيرٌ، فَعُرِفَ أنه أَمَرَهُ بأنه إن بلغَ وَالِدَاهُ أو أحدُهما الْكِبَرَ أن يَبَرَّهُمَا، وهما قد مَاتَا، لا يُمْكِنُ بِرُّهُمَا، عَرَفْنَا من ذلك أنه يأمرُه ليُشرِّعَ للناسِ على لسانِه - صلى الله عليه وسلم -، وقد بَيَّنَّا مِرَارًا أن مِنْ أساليبِ اللغةِ العربيةِ [15/ب] المعروفةِ: / أن الإنسانَ يُخَاطِبُ إنسانًا والمرادُ عندَه بالخطابِ غيرُه (¬1)، وَذَكَرْنَا فيه مرارًا المثلَ المعروفَ: (إِيَّاكِ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَةْ) (¬2)
وَبَيَّنَّا فيما مَضَى أنه مِنْ رَجَزٍ لرجلٍ من بني فزارةَ، يُسَمَّى: سهل بن مالكٍ، نَزَلَ في بيتِ حارثةَ بنِ لأم الطائيِّ، ووجدَه غائبًا، فأكرَمَتْه أُخْتُهُ، وَأُعْجِبَ بِجَمَالِهَا، فَأَرَادَ أن يُعَرِّضَ لها بالخطبةِ فخاطبَ أُخرى غيرَها قائلاً:
يَا أُخْتَ خَيْرِ الْبَدْوِ وَالْحَضَارَةْ ... كَيْفَ تَرَيْنَ فِي فَتَى فَزَارَةْ
أَصْبَحَ يَهْوَى حُرَّةً مِعْطَارَةْ ... إِيَّاكِ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَةْ

فَعَلِمَتْ بنتُ (¬3) حارثةَ بنِ لأم الطائيِّ أن الخطابَ مُوَجَّهٌ إليها وإن كانَ يخاطبُ غيرَها حيث قال: «إِيَّاكِ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَةْ».
فَأَجَابَتْ قَائِلَةً:
إِنِّي أَقُولُ يَا فَتَى فَزَارَةْ ... لاَ أَبْتَغِي الزَّوْجَ وَلاَ الدَّعَارَةْ
وَلاَ فِرَاقَ أَهْلِ هَاذِي الْحَارَةْ ... فَارْحَلْ إِلَى أَهْلِكَ بِاسْتِحَارَةْ

والشاهدُ من هذا الرَّجَزِ قولُه: «إِيَّاكِ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَةْ»
¬_________
(¬1) انظر: ابن جرير (2/ 485 - 487، 500)، (3/ 191)، بصائر ذوي التمييز (1/ 109)، فتح الباري (3/ 174، 355).
(¬2) انظر: المثل ومناسبته في كتاب الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلاَّم ص 65، (وانظر معه في الهامش رقم (2)، مجمع الأمثال للميداني (1/ 80 - 81) ..
(¬3) هذا من سبق اللسان. وإلا فهي أخته.

الصفحة 172