كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

من عمرٍو» معناه: أنهما مشتركانِ في العلمِ إلا أن هذا يفوقُ هذا فيه، ولا يجوزُ أن تقولَ: «زَيْدٌ أعلمُ من الحمارِ»؛ لأن الحمارَ لاَ يشاركُه في العلمِ. وكذلك قولُه هنا: {أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ} لا يشاركُ الناسُ رَبَّهُمْ في علمِ عواقبِ الناسِ، وما يؤولون إليه من ضلالٍ وَهُدًى؛ لأن ذلك لا يعلمُه إلا اللَّهُ؛ ولذلك صيغةُ التفضيلِ هنا بمعنَى الوصفِ، وقد تقررَ في علومِ العربيةِ: أن صيغةَ التفضيلِ تأتِي بمعنَى الوصفِ ليس مُرَادًا بها التفضيلُ، كقولِهم (¬1): «الناقصُ والأشجُّ أعدلاَ بَنِي أُمَيَّةَ» (¬2) أي: هما العادلانِ منهم. وهذا موجودٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الفرزدقِ (¬3):
إِنَّ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا ... بَيْتًا دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ
يعنِي: دعائمُه عزيزةٌ طويلةٌ. وقولُ الشَّنْفَرَى (¬4):
وِإِنْ مُدَّتِ الأَيْدِي إِلَى الزَّادِ لَمْ أَكُنْ ... بِأَعْجَلِهِمْ إِذْ أَجْشَعُ الْقَوْمِ أَعْجَلُ

يعنِي: لم أَكُنْ أنا هو العَجِلُ منهم. وكذلك هنا: {أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ} هو الْعَالِمُ مَنْ يَضِلُّ عن سَبِيلِهِ.
واختلفَ علماءُ العربيةِ في إعرابِ (مَنْ) في قولِه هنا: {مَنْ
¬_________
(¬1) انظر: الدر المصون (2/ 10)، ضياء السالك (3/ 120)، التوضيح والتكميل (2/ 133).
(¬2) الناقص: هو يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، سُمي بذلك لنقصه أرزاق الجند. والأشج: هو عمر بن عبد العزيز، سُمي بذلك لشجة كانت في وجهه من ضرب دابة. انظر: التوضيح والتكميل (2/ 133).
(¬3) مضى عند تفسير الآية (58) من هذه السورة.
(¬4) البيت في شرح الأشموني (2/ 55)، التوضيح والتكميل (2/ 133).

الصفحة 203