كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

وقولُه: {إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} يدلُّ على أن هذه المحرماتِ التي فَصَّلَهَا اللَّهُ، وَبَيَّنَ أنها حرامٌ إذا اضْطُرَّ الإنسانُ إليها وَأَلْجَأَتْهُ الضرورةُ إليها كانت حلالاً عليه؛ لأَنَّ نَبِيَّنَا - صلى الله عليه وسلم - بُعِثَ بالحَنِيفِيَّةِ السمحةِ، وسُهِّلَ له فيها كُلَّ التسهيلِ، وَرُفِعَتْ عنا على لسانِه الآصارُ- وهي أثقالُ التكليفِ التي كانت على مَنْ قَبْلَنَا- وقد ثَبَتَ في صحيحِ مسلمٍ من حديثِ أَبِي هريرةَ وابنِ عباسٍ رضي الله عنهم أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا قَرَأَ: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} الآيات [البقرة: آية 286]. أن اللَّهَ قال: «قَدْ فَعَلْتُ» في روايةِ ابنِ عباسٍ عند مسلمٍ، وأن اللَّهَ قال: «نَعَمْ» في روايةِ أبي هريرةَ عندَ مسلم (¬1). وَلِذَا كان من علاماتِ نُبَوَّتِهِ - صلى الله عليه وسلم - أنه يُحِلُّ الطيباتِ وَيُحَرِّمُ الخبائثَ ويضعُ الآصارَ والأغلالَ وأثقالَ التكليفِ التي كَانَتْ على مَنْ قَبْلَنَا؛ لأن ذلك من صفاتِه في الكتبِ المتقدمةِ كما يأتي في سورةِ الأعرافِ في قولِه: {النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: آية 157] والآصارُ والأغلالُ هي: الأثقالُ التي كانت شديدةً في التكليفِ على مَنْ قَبْلَنَا؛ لأن مَنْ قَبْلَنَا ربما إذا أَذْنَبَ الواحدُ منهم ذنبًا لا تُقْبَلُ توبتُه حتى يُقَدِّمَ نفسَه للموتِ والقتلِ، كما قَدَّمْنَاهُ في البقرةِ (¬2)
في قولِه: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} [البقرة: آية 54] وما كانوا تصحُّ صلاتُهم إلا في المساجدِ، ولا تصحُّ صلاتُهم إلا بالماءِ،
¬_________
(¬1) مضى عند تفسير الآية (90) من سورة الأنعام.
(¬2) مضى عند تفسير الآية (90) من سورة الأنعام ..

الصفحة 220