كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

الحدِّ (¬1). وهذا معنَى قولِه: إن الله جل وعلا {أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119)} الذي سَبَقَ لهم الضلالُ في أزلِه، وَيَسَّرَهُمْ لِمَا خَلَقَهُمْ له، فهو أعلمُ بهم. وكأن هذا فيه تسليةً للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، كأنه يقولُ له: رَبُّكَ أعلمُ بالضالين المضلين، ولابد أن يُيَسِّرَهُمْ لِمَا خَلَقَهُمْ له، فلا تَحْزَنْ عليهم إذا لم يؤمنوا وهذا معنَى قولِه: {هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119)}.
{وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120)} [الأنعام: آية 120] {وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} (ذروا) معناه: اتْرُكُوا. و (ذَرْ) بمعنَى: اتْرُكْ. وهذا الفعلُ- الذي هو (ذَرْ) - لَمْ يُسْتَعْمَلْ منه في لغةِ العربِ إلا الأمرُ والمضارعُ (¬2)، تقول العربُ: (ذَرْ) بمعنى: اتْرُكْ، و (يَذَر) بمعنَى: يترك. ولم يُسْتَعْمَلْ منه ماضٍ، ولا مصدرٌ، ولا اسمُ فاعلٍ، ولا اسمُ مفعولٍ، ولا صيغةُ تفضيلٍ، لم يُسْتَعْمَلْ منه إلا المضارعُ والأمرُ خاصةً. ومعنَى (ذَرْ): اتْرُكْ. ومعنَى: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ} اتركوا ظاهرَ الإثمِ. وعلماءُ العربيةِ يقولونَ: إن الحرفَ المحذوفَ في مكانِ الفاءِ إنها واوٌ، وإن أصلَ (ذَرْ) أن أصلَ ماضيه (وَذَرَ) بواوٍ (¬3)، إلا أن هذه الواوَ لم تَثْبُتْ؛ لأن (فَعَل) إذا كانت مفتوحةَ العينِ تُحْذَفُ فاؤها في المضارعِ والأمرِ، وتُحْذَفُ في المصدرِ، وذلك إنما ينقاسُ في (فَعَلَ يَفْعَل) وأما (وَذَر يذَر) فليس مَقِيسًا فيها؛ إلا أن العربَ لم تَنْطِقْ بالواوِ ولم تَنْطِقْ بها إلا في المضارعِ والأمرِ (¬4). وعلى كُلِّ حالٍ فـ (ذَرُوا) معناه: اتْرُكُوا.
¬_________
(¬1) انظر: المفردات (مادة: عدا) (553_ 554)، بصائر ذوي التمييز (4/ 31).
(¬2) مضى عند تفسير الآية (112) من هذه السورة.
(¬3) انظر: الدر المصون (2/ 636 _637)، (3/ 508)، معجم مفردات الإبدال والإعلال ص486.
(¬4) انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص486.

الصفحة 224