كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

تَنَوَّرْتُهَا مِنْ أَذْرُعَاتٍ وَأَهْلُهَا ... بِيَثْرِبَ أَدْنَى دَارِهَا نَظَرٌ عَالِ (¬1)

ولو كانت يائيةَ العينِ لَقَالَ: تَنَيَّرْتُهَا بالياءِ، ولم يَقُلْ: «تَنَوَّرْتُهَا»، (¬2) واشتقاقُ النارِ من «نَارَتِ الظبيةُ» إذا ارْتَفَعَتْ جافلةً؛ لأَنَّ عادتَها إذا أُوقِدَتِ الارتفاعُ. ونارُ الآخرةِ- والعياذُ بالله- أَشَدُّ حَرًّا من هذه بِسَبْعِينَ ضِعْفًا.
وقولُه: {مَثْوَاكُمْ} الْمَثْوَى: مكانُ الثَّوَاءِ. والثَّوَاءُ: الإقامةُ على الدوامِ. ومنه قولُه: {وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ} [القصص: آية 45] أي: مُقِيمًا فيهم (¬3). وهو معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الحارثِ بْنِ حِلِّزَةَ (¬4):
آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ ... رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ
فَالْمَثْوَى: مكانُ الثَّوَاءِ. وهو مفتوحُ الواوِ على القياسِ؛ لأَنَّ المقررَ في فَنِّ التصريفِ أن الفعلَ المعتلَّ اللامِ الثلاثيَّ يبقى مصدرُه الميميُّ، واسمُ مكانِه، واسمُ زمانِه على (المَفْعَل) بفتحِ العينِ. وهذا مُطَّرِدٌ (¬5). وَالْمَثْوَى: مكانُ الثَّوَاءِ.
وقولُه: {النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ}، {خَالِدِينَ} حالٌ، ويُشْكِلُ العاملُ في الحالِ؛ لأن المَثْوى اسمُ مكانٍ، والمكانُ لا يعملُ في الحالِ.
¬_________
(¬1) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص 124.
(¬2) انظر: المفردات (مادة: نور) ص828، اللسان (مادة: نور) (3/ 739)، معجم مفردات الإبدال والإعلال ص263.
(¬3) انظر: ابن جرير (12/ 117)، المفردات (مادة: ثوى) ص181.
(¬4) شرح القصائد المشهورات (2/ 51).
(¬5) انظر: التوضيح والتكميل (2/ 83). الدر المصون (3/ 436)، معجم مفردات الإبدال والإعلال ص 76.

الصفحة 245