كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
[الأنعام: الآية 27]، وفي قراءةٍ أُخْرَى (¬1): {وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا} الآيةَ. اللَّهُ لَمَّا تَمَنَّوْا أنهم يُرَدُّونَ إلى الدنيا مرةً أُخْرَى ليُصَدِّقُوا الرسلَ بَيَّنَ أنهم لو رُدُّوا إلى الدنيا مرةً أُخْرَى وَأُمْهِلُوا، وَأُرْسِلَتْ لهم الرسلُ لَبَقَوْا على خُبْثِهِمْ الذي لا يَنْفَكُّ عنهم أَبَدًا، قال: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: الآية 28]. وقال في سورةِ الأنفالِ: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ} [الأنفال: الآيتان22، 23] وقولُه: {خَيْرًا} نكرةٌ في سياقِ الشرطِ فَهِيَ تَعُمُّ (¬2)، فهي تدلُّ على أن اللَّهَ لو يَعْلَمُ فيهم خَيْرًا ما، في وَقْتٍ ما، كائنًا مَا كَانَ، فَهُمْ مَنْفِيٌّ عنهم جميعُ الخيرِ لا يطلبونه أبدًا، والخبثُ باقٍ فيهم أبدًا، فكانَ الجزاءُ دائمًا أبدًا، ومن هنا تَطَابَقَ الجزاءُ والعملُ.
أما السؤالُ الثاني: وهو السؤالُ الذي على بابِه، وهو أن يقولَ: إذا قَرَّرْتُمْ أن النارَ باقيةٌ، وأن الكفارَ بَاقُونَ فيها مخلدونَ، عَذَابًا سَرْمَدِيًّا، فما الحكمةُ في الاستثناءِ بقولِه: {إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأنعام: الآية 128] وفي قولِه: {إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ} [هود: الآية 107] وفي قولِه: {لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23)} [النبأ: الآية 23]؟ وفي هذا أوجهٌ كثيرةٌ (¬3)، وبحوثٌ كثيرةٌ نقتصرُ منها على القليلِ، وَسَنُبَيِّنُهَا جميعًا- إن شاءَ اللَّهُ- في سورةِ هودٍ.
مِنْ أَحْسَنِ الأجوبةِ: الذي اختارَه
¬_________
(¬1) مضى عند تفسير الآية (101) من هذه السورة.
(¬2) انظر: المسودة 103، شرح الكوكب المنير (3/ 141)، البرهان للزركشي (2/ 6)، أضواء البيان (3/ 322)، (4/ 174) قواعد التفسير (2/ 560).
(¬3) انظر: ابن جرير (15/ 481)، ابن كثير (2/ 460)، رفع الأستار ص 90 فما بعدها، حادي الأرواح ص 251 فما بعدها.