كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
كبيرُ الْمُفَسِّرِينَ محمدُ بنُ جريرٍ الطبريُّ (¬1)، ونسبَه لقتادةَ والضحاكِ وَخَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ وَأَبِي سِنَانَ: أن (ما) بمعنَى: (مَنْ) وعليه فلا إشكالَ، فَخَالِدِينَ فيها إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ عدمَ خلودِه من العصاةِ الذين أُدْخِلُوا فيها لِتُمَحِّصَهُمْ وتطهرهم من الذنوبِ، وغايةُ ما في البابِ أنه أَطْلَقَ (مَا) وَأَرَادَ (مَنْ) (¬2)، وإطلاقُ (ما) مُرَادًا بِهَا (مَنْ) كثيرٌ فِي القرآنِ، كقولِه: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ} [النساء: الآية 3] أي: مَنْ طَابَ لَكُمْ. وقولُه: {إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: الآية 6] أي: مَنْ مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ.
والآياتُ موجودةٌ كثيرةٌ غيرُ هذا. أما آيةُ النبأِ: {لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23)} [عم: الآية 23] فالآيةُ التي بعدَها تُبَيِّنُهَا، بقرينةِ آيةٍ فِي سورةِ (ص) فَهِيَ بيانٌ قُرْآنِيٌّ وَاضِحٌ، وخيرُ ما يُفَسَّرُ به القرآنُ القرآنُ؛ لأَنَّ معنَى: {لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23)} أي: لاَبِثِينَ فيها أَحْقَابًا فِي حالِ كونِهم لاَ يذوقونَ فيها بَرْدًا وَشَرَابًا إلا حميمًا (¬3) وغساقًا. [فالآيةُ بَيَّنَتْ] (¬4) أحقابَ الحميمِ والغساقِ [مع كونِهم يُعَذَّبُونَ] (¬5) بأشكالٍ أُخَرَ وأنواعٍ أُخَرَ، غيرِ أنواعِ الحميمِ والغسَّاقِ، وهذا التفسيرُ دَلَّتْ عليه آيةُ (ص) دلالةً واضحةً؛ لأَنَّ اللَّهَ قال: {هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57)} ثم قال:
¬_________
(¬1) انظر: ابن جرير (15/ 481_ 483).
(¬2) انظر: البحر المحيط (4/ 221)، الدر المصون (5/ 151).
(¬3) يحتمل أن تكون عبارة الشيخ هكذا: «لا يذوقون فيها إلا بردًا وشرابًا وحميمًا وغساقًا». ولضعف التسجيل لم أجزم بذلك.
(¬4) في الأصل قدر كلمتين غير واضحتين. وما بين المعقوفين [] زيادة يستقيم بها الكلام.
(¬5) في الأصل كلمة غير واضحة. وما بين المعقوفين [] زيادة يستقيم بها الكلام.
الصفحة 251