كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُم مِّنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134)} [الأنعام: الآيات 129 - 134].
يقول اللَّهُ جل وعلا: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129)} [الأنعام: الآية 129].
في هذه الآيةِ الكريمةِ أوجهٌ متقاربةٌ من التفسيرِ معروفةٌ عند العلماءِ، لا يُكَذِّبُ بعضُها بعضًا، بَلْ كُلُّهَا حَقٌّ. قولُه جل وعلا: {وَكَذَلِكَ} أي: كَمَا سَلَّطْنَا شياطينَ الجنِّ على شياطينِ الإنسِ حتى أَغْوَوْهُمْ واستكثروا منهم فَأَدْخَلُوهُمُ النَّارَ، كما تقدَّم في قولِه: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنْسِ} [الأنعام: الآية 128] {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا} في قولِه: {نُوَلِّي} أوجهٌ معروفةٌ (¬1):
أحدُها: أن معنَى: نُوَلِّيهِمْ عليهم أي: نُوَلِّيهِمْ ولايةَ تَسْلِيطٍ، أي: نسلطُ بعضَ الظالمينَ على بعضٍ فَيَضُرُّهُ ويؤذيه، ثم ننتقمُ من الجميعِ.
وَمَا مِنْ يَدٍ إِلاَّ يَدُ اللَّهِ فَوْقَهَا ... وَلاَ ظَالِمٌ إِلاَّ سَيُبْلَى بِظَالِمِ (¬2)
فكما سَلَّطْنَا شياطينَ الجنِّ على شياطينِ الإنسِ فَأَغْوَوْهُمْ وَأَضَرُّوهُمْ حتى أَدْخَلُوهُمُ النارَ، كذلك نُسَلِّطُ بعضَ الظالمينَ على بعضٍ، فَنَنْتَقِمُ من بعضِ الظالمين ببعضِهم، ثم ننتقمُ من الجميعِ. واختارَ أبو جعفر بنُ جريرٍ الطبريُّ أن معنَى: {نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا}
¬_________
(¬1) انظر: ابن جرير (12/ 118)، القرطبي (7/ 85)، البحر المحيط (4/ 222).
(¬2) هذا البيت أورده ابن كثير في التفسير (2/ 176).

الصفحة 256