كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

الظاهرِ تَمَسَّكَ قومٌ قليلونَ بأن اللَّهَ بعثَ من الجنِّ رُسُلاً إلى الجنِّ (¬1). وَزَعَمَ بعضُهم أنه ما أَرْسَلَ للجنِّ منهم إلا رَسُولاً واحدًا، وَاسْمُهُ يوسفُ.
والذي عليه جماهيرُ العلماءِ، خَلَفًا وَسَلَفًا، أن الرسلَ جميعَهم إنما هُمْ من الإنسِ، وإنما قَالَ: {رُسُلٌ مِّنكُمْ} لِمَجْمُوعِ الإنسِ والجنِّ، نَظَرًا إلى أن العربَ تُطْلِقُ المجموعَ وتريدُ بعضَه. أي: من مجموعِكم الصادقِ بالإنسِ دونَ الجنِّ. وهو كثيرٌ في القرآنِ، وفي كلامِ العربِ (¬2)، فَمِنْهُ في القرآنِ قولُه تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} [نوح: الآيتان 15، 16]، أي: في مجموعِهن الصادقِ بواحدةٍ منها. وأظهرُ الآياتِ الدالةِ عليه في القرآنِ قراءةُ حمزةَ والكسائيِّ (¬3): {وَلاَ تَقْتُلُوهُم عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} [البقرة: الآية 191] لأن المرادَ هنا: بأنه لا يصحُّ أن تقولَ: «فإن قَتَلُوكُمْ ومتم وخرجتُم من الدنيا فَاقْتُلُوهُمْ» [وعلى هذا المعنَى يُحْمَلُ قولُ الشاعرِ:
فَإِنْ تَقْتُلُونَا عِنْدَ حَرَّةِ وَاقِمِ ... فَلَسْنَا عَلَى الإِسْلاَمِ أَوَّلَ مَنْ قُتِلْ] (¬4)

هو حَيٌّ يتكلم، ويقولُ: «فَإِنْ تَقْتُلُونَا» يعني: تَقْتُلُوا بَعْضَنَا. هذا هو المعروفُ في كلامِ العربِ، أي: من مجموعِكم الصادقِ بالإنسِ، بناءً على أن الجنَّ لَمْ تُرْسَلْ منهم رُسُلٌ.
¬_________
(¬1) في هذه المسألة راجع: ابن جرير (12/ 121)، القرطبي (7/ 86)، ابن كثير (2/ 177)، البحر المحيط (4/ 222)، أضواء البيان (2/ 210).
(¬2) مضى عند تفسير الآية (72) من سورة البقرة.
(¬3) السابق.
(¬4) في هذا الموضع وقع انقطاع في التسجيل. وما بين المعقوفين [ ... ]، زيادة يتم بها الكلام.

الصفحة 268