كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
وَجَمَعَ بعضُ العلماءِ بينَ الْقَوْلَيْنِ فقالَ: رسلُ الإنسِ هم الذين يُرْسِلُهُمُ اللَّهُ بواسطةِ الملكِ، ورسلُ الجنِّ هم الذين يُنْذِرُونَ قَوْمَهُمْ بما سَمِعُوا من الأنبياءِ، فَهُمْ رُسُلُ الرُّسُلِ [17/ب] / ولذا أَطْلَقَ عليهم (الرسل) هنا. وَيُطْلَقُ عليهم (النُّذُرُ)، كما يأتي في قولِه: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنْذِرِينَ} [الأحقاف: الآية 29]، فالنُّذرُ كأنهم جاؤوهم منذرينَ مُرْسَلِينَ من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وقد ثَبَتَ في الأحاديثِ - وكما يأتِي في سورةِ الجنِّ - أن الجنَّ جاؤوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وكادوا يكونونَ عليه لِبَدًا، وأنه دَعَاهُمْ إلى الإسلامِ، وَعَلَّمَهُمُ الدينَ، وَأَمَرَهُمْ أن يُبَلِّغُوا قومَهم. ومن هنا قال جمهورُ العلماءِ: الرسلُ من الإنسِ والجنِّ ليسوا بِرُسُلٍ [وإنما يكونُ منهم نُذُرٌ] (¬1) إلى قومِهم، كما قال: {وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ (29)}.
وقد أجمعَ جميعُ المسلمين أن نَبِيَّنَا - صلى الله عليه وسلم - مرسلٌ إلى الجنِّ والإنسِ مَعًا، وأنه بَلَّغَ الرسالةَ لِمَنِ استطاعَ أن يبلغَه من الجنسين، وَأَمَرَ كُلاًّ منهم أن يبلغَ مَنْ لَقِيَ، وقال: «فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» (¬2)، وقد يأتي صريحًا في سورةِ الرحمنِ لَمَّا قَرَأَ على الجنِّ سورةَ الرحمنِ، وقال: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الرحمن: الآية 33] كلما قال: {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: الآية 32] والتثنيةُ للجنِّ والإنسِ، والجنُّ
¬_________
(¬1) في هذا الموضع كلام غير واضح. وما بين المعقوفين [ ... ]، زيادة يتم بها الكلام.
(¬2) هذه الجملة جزء من خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع، وسيأتي عند تفسير الآيتين (89 - 90) من سورة التوبة.