كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
يقولونَ: ولا بشيءٍ من آلاءِ رَبِّنَا نكذبُ (¬1). وَذَكَرَ اللَّهُ كثيرًا من قِصَصِهِمْ في سورةِ الجنِّ، وبَيَّنَ أَنَّهُمْ ما كانوا يظنونَ أن اللَّهَ يُمَكِّنُ أَحَدًا أن يفتريَ عليه، قالوا: {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّنْ تَقُولَ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5)} [الجن: الآية 5] وَبَيَّنُوا أن منهم طَيِّبِينَ وخبثاءَ: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (11)} [الجن: الآية 11] وتحصَّل أن قولَه: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ} جمهورُ العلماءِ على أن الرسلَ كُلَّهُمْ من الإنسِ، وأنه أُطْلِقَ المجموعُ مُرَادًا بعضُه، لا أن الجنَّ رُسُلٌ أُرْسِلُوا إلى قومِهم.
وخالفَ بعضٌ قليلٌ من أهلِ العلمِ وقالوا: أُرْسِلَتْ للجنِّ رسلٌ منهم لظاهرِ هذه الآيةِ الكريمةِ، قالوا: ولأَنَّ كَوْنَ الرسلِ منهم أَدْرَى بأحوالهم، وأقدرُ على تبليغِهم، وذلك ليس بقاطعٍ؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لما جَاءَهُ جِنُّ نصيبين تَكَلَّمَ معهم، وَخَاطَبُوهُ في كُلِّ ما يفيدُ، وأباحَ لهم ما أباحَ لهم من الزادِ، كما هو معروفٌ في الأحاديثِ الصحيحةِ، وَدَعَاهُمْ إلى الإسلامِ (¬2). وهذا معنَى قولِه:
¬_________
(¬1) ورد ذلك في حديث مرفوع أخرجه الترمذي في التفسير، باب «ومن سورة الرحمن»، حديث رقم: (3291) (5/ 399)، والحاكم (2/ 473) وقال: «صحيح على شرط الشيخين» ووافقه الذهبي. من حديث جابر رضي الله عنه. وللحديث شاهد من حديث ابن عمر (رضي الله عنهما) عند البزار (كشف الأستار 3/ 74)، وابن جرير (27/ 123 - 124). وانظر: السلسلة الصحيحة رقم: (2150)، صحيح الترمذي (3/ 112).
(¬2) جاء في وفد نصيبين من الجن عدة أحاديث، منها:
1 - حديث أبي هريرة (رضي الله عنه)، عند البخاري في مناقب الأنصار، باب ذكر الجن، حديث رقم: (3860)، (7/ 171).
2 - حديث ابن عباس (رضي الله عنهما)، عند الطبري في التفسير (26/ 30، 31، 33).
3 - حديث الزبير بن العوام (رضي الله عنه)، عند الطبراني في الكبير (1/ 125) وحسنه الهيثمي في المجمع (1/ 210).
4 - حديث ابن مسعود (رضي الله عنه)، وقد جاء بروايات وطرق كثيرة بألفاظ متفاوتة، وممن أخرج حديثه: الإمام أحمد في المسند (1/ 458)، وابن جرير في التفسير (26/ 32)، والطبراني في الكبير (10/ 77، 79، 80) وابن أبي عاصم في السنة (2/ 611)، والخطيب في تاريخه (2/ 398). وللوقوف على بعض روايات أحاديث استماع الجن للنبي - صلى الله عليه وسلم - انظر:
دلائل النبوة للبيهقي (2/ 225 - 233)، مجمع الزوائد (8/ 313 - 314)، فتح الباري (7/ 171 - 172)، الدراية (1/ 63 - 67)، نصب الراية (1/ 139 - 147).