كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

جَنَّتَانِ} فَدَلَّ قولُه: {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} الصادقُ على الجنِّ والإنسِ، على أن قولَه: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} أي: للجنِّ والإنسِ. وهذا هو الأظهرُ. وهذا معنَى قولِه: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا}. (ينذرونَ) هو مضارعُ فعلِ الإنذارِ. والإنذارُ في لغةِ العربِ: هو الإعلامُ المقترنُ بتخويفٍ وتهديدٍ، فكلُّ إنذارٍ إعلامٌ، وليس كُلُّ إِعْلاَمٍ إنذارًا، وَكُلُّ إعلامٍ اقترنَ بتخويفٍ وتهديدٍ فهو المسمَّى بالإنذارِ (¬1). ومعنَى: {وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} أي: يُعْلِمُونَكُمْ بِمَا في هذا اليومِ من الأهوالِ والأوجالِ وشدَّةِ عذابِ النارِ، في حالِ كونِهم مُهَدِّدِينَ لكم وَمُخَوِّفِينَ من الأعمالِ التي تُؤَدِّي إليه. وهذا [معنى] (¬2)
قولِه: {وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} وَعَبَّرَ عن اليومِ باللقاءِ لأنهم يُلاَقُونَ ما فيه من الأهوالِ والأوجالِ، وعادةُ العربِ أن تُذَكِّرَ اليومَ ومرادُها ما فيه من البلايا والأوجالِ (¬3)، كقولِ نبيِّ اللَّهِ لوطٍ: {هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77)} [هود: الآية 77] والزمنُ بنفسِه كسائرِ الأزمانِ، وإنما المرادُ ما فيه؛ وَلِذَا قال تعالى: {يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17)} [المزمل: الآية 17] والذي يَجْعَلُ الولدانَ شِيبًا إنما هو ما فيه من الأهوالِ الأوجالِ؛ لأَنَّ نفسَ اليومِ ظرفٌ من الظروفِ كسائرِ غيرِه من الظروفِ. ومنه قولُ الشاعرِ (¬4):
¬_________
(¬1) انظر: المفردات (مادة: نذر) 797، القاموس (مادة: النذر) 619، الأضواء (2/ 288).
(¬2) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق ..
(¬3) انظر: المزهر (1/ 336).
(¬4) البيت لعدي بن زيد. وهو في تفسير ابن جرير (15/ 409)، تاريخ دمشق (40/ 119)، الدر المصون (6/ 361). وقوله: «لزاز» أي: ملازم. وقوله: «لم أُعرد» أي: لم أُحجم.

الصفحة 273