كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

{ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ (50)} [غافر: الآيتان 49، 50] وهذه الآياتُ تدلُّ على أنهم أَقَرُّوا بما كانوا فيه.
ونظيرُها قولُه في النساءِ: {وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42)} [النساء: الآية 42] بل يُقِرُّونَ بكل ما فَعَلُوا. قد يقولُ طالبُ العلمِ: هذه الآياتُ وأمثالُها تدلُّ على أنهم أَخْبَرُوا بالواقعِ ففي القرآنِ آياتٌ أُخَرُ تدلُّ على إنكارِهم وحلفِهم على الإنكارِ، كقولِه عنهم: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23)} [الأنعام: الآية 23] {فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ} [النحل: الآية 28] وقولُه جلَّ وعلا: {بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا} [غافر: الآية 74]. فهذه الآياتُ تدلُّ على إنكارِهم لِمَا جاؤوا به من الكفرِ، وهذه تدلُّ على إقرارِهم. وقد سُئِلَ ابنُ عباسٍ رضي اللَّهُ عنهما عن قولِه: {وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42)} [النساء: الآية 42] مع قولِهم: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23)} [الأنعام: الآية 23] فأجابَ ترجمانُ القرآنِ عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ قال: إنهم إذا رأوا أهلَ الشركِ لاَ خلاصَ لهم قالوا: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23)} فعندَ ذلك يختمُ اللَّهُ على ألسنتِهم وتشهدُ أيديهم وأرجلُهم بما كانوا يكسبونَ (¬1). فهذه الأسرارُ التي يقولُها ويفصحُ عنها إنما هي أَيْدِيهِمْ وألسنتُهم وجلودُهم، كما قال: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ (22)} [فصلت: الآية 22] وقال: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [فصلت: الآية 21] {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ
¬_________
(¬1) أخرجه ابن جرير (8/ 373 - 374)، وهو في الدر المنثور (2/ 164).

الصفحة 276