كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر: الآيتان 36، 37] وقوله: {وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} راجعٌ لجميعِِ الذين كَفَرُوا المذكورين في قولِه: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ} ونظيرُها من الآياتِ قولُه تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى} [غافر: الآيتان 49، 50] أي: جَاءَتْنَا رُسُلُنَا بالبيناتِ والآياتِ بنحوِ هذا كثيرة.
وهذه الآياتُ تدلُّ على أن أهلَ الفترةِ معذورونَ؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: {ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131)} [الأنعام: الآية 131] ويقول: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (15)} [الإسراء: الآية 15] وَتَمَسَّكَ بظاهرِ هذه الآياتِ جماعاتٌ من أهلِ العلمِ.
وَذَهَبَ جماعاتٌ آخرونَ، إلى أن الكفرَ وعبادةَ الأوثانِ لا يُعْذَرُ فيه أحدٌ، وأن كلَّ مَنْ ماتَ كافرًا يعبدُ الوثنَ، أنه في النارِ، وإن لم يَأْتِهِ نذيرٌ. واستدلوا بظواهرِ آياتٍ من كتابِ اللَّهِ، وبأحاديثَ جاءت عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
والحاصلُ أن هذه المسألةَ مسألةٌ اصْطَدَمَتْ فيها عقولُ الفحولِ، واختلفَ فيها العلماءُ، وجاءَ كُلٌّ منهم بحججٍ وأدلةٍ، وسنذكرُ طَرَفًا من أدلةِ الجميعِ، ومناقشةِ أدلتِهم، ثم نذكرُ ما يُرَجِّحُهُ الدليلُ إن شاء اللَّهُ تعالى (¬1).
¬_________
(¬1) في هذا المسألة راجع: مجموع الفتاوى (17/ 308 - 310) أحكام أهل الذمة (2/ 648 - 656)، لوامع الأنوار البهية (2/ 398)، تفسير ابن كثير (3/ 28 - 32) دفع إيهام الاضطراب 178 - 186، نثر الورود (1/ 45)، أضواء البيان (3/ 471 - 484)، نواقض الإيمان الاعتقادية (1/ 294 - 301)، الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه 209 - 215، منهج الجدل والمناظرة (2/ 827).
ومما يتصل بهذا الموضوع مسألة (أطفال المشركين)، وقد أطال الكلام عليها الحافظ ابن عبد البر في التمهيد (18/ 96 - 141)، وفي الاستذكار (8/ 390 - 408)، وابن القيم في طريق الهجرتين 388 فما بعدها. وانظر مجموع الفتاوى (24/ 372).

الصفحة 282