كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

«فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ» (¬1).
وأمثالُ هذا من الأحاديثِ الثابتةِ في تعذيبِ بعضِ أهلِ الفترةِ. وهذا القولُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ مَاتَ في الفترةِ على الإشراكِ، وعلى دِينِ الآباءِ، كما قال أبو طالبٍ في آخِرِ كَلاَمِهِ: «إنه على دِينِ الأشياخِ» الذين عَاشُوا في الفترةِ، وأنزلَ اللَّهُ فيه: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: الآية 56] وَلَمَّا استغفرَ له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وقال: (لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْ ذَلِكَ) واستغفرَ المسلمون لِمَوْتَاهُمْ، أَنْزَلَ اللَّهُ في ذلك: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} الآية (¬2) [براءة: الآية 113]. وَلَمَّا قالوا: «لَنَا فِي إبراهيمَ أسوةٌ حسنةٌ، وقد استغفرَ إبراهيمُ لأبيه». أنزلَ اللَّهُ: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114)} (¬3)
[التوبة: الآية 114] والموعدةُ التي وَعَدَهَا إياه: هي المذكورةُ في سورةِ (مريم): {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي
¬_________
(¬1) صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه (عزّ وجلّ) في زيارة قبر أمه، حديث رقم: (976) (2/ 671).
(¬2) البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله. حديث رقم: (1360) (3/ 222). وأخرجه في مواضع أخرى، انظر الأحاديث رقم: (3884، 4675، 4772، 6681) ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ... حديث رقم: (24، 25) (1/ 54 - 55) من غير الزيادة التي في آخره، وهي قوله: (فاستغفر المسلمون ... ) وهي عند الواحدي في أسباب النزول ص 261 - 262.
(¬3) أخرج ابن جرير في هذا المعنى جملة من المراسيل عن مجاهد (17326) وعمرو بن دينار (17327) ..

الصفحة 285