كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

قَفَاهُ (1)؛ لأنه لا يستطيعُ السجودَ، كما قال تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ (42)}.
وقد ثَبَتَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الأحاديثِ الصحاحِ في قصةِ الرجلِ المشهورةِ الذي هو آخِرُ أَهْلِ النارِ خُرُوجًا من النارِ أنه يقول: «يَا رَبِّ أَخِّرْنِي عَنِ النَّارِ. يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ إِنْ أَخَّرْتُكَ لَعَلَّكَ تَطْلُبُ غَيْرَ ذَلِكَ. فَيَقُولُ: لَكَ عَلَيَّ مِنَ الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ أَنْ لاَ أَطْلُبَكَ غَيْرَ ذَلِكَ. ثُمَّ يَمْكُثُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: افْعَلْ لِي كَذَا، أَوْ: إِلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ. وَيَقُولُ لَهُ: وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ!! فَيُعْطِيهِ مِنَ الْمَوَاعِيدِ وَالْمَوَاثِيقِ أَنَّهُ لاَ يَطْلُبُ شَيْئًا سِوَى ذَلِكَ، حَتَّى يَقُولَ لَهُ: رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ. إِلَى أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ» (2).
والتكاليفُ إنما هي عهودٌ ومواثيقُ تُؤْخَذُ على الإنسانِ أن يفعلَ أو أن لاَ يفعلَ. فهذا هو الصوابُ في هذه المسألةِ، أنهم معذورونَ في الدنيا بشهادةِ الآياتِ، وأن اللَّهَ يومَ القيامةِ يمتحنُهم بنارٍ يأمرُهم بالدخولِ فيها، فَمَنْ دَخَلَهَا دخلَ الجنةَ (¬1)،
وظهرَ فيه عِلْمُ اللَّهِ أنه كان يُطِيعُ الرسلَ لو جاءَته،
¬_________
(¬1) ورد في ذلك عدة أحاديث من أشهرها:
1 - حديث الأسود بن سريع (رضي الله عنه) عند أحمد (4/ 24)، وأبي نعيم في معرفة الصحابة، (2/ 281)، والطبراني في الكبير (1/ 287)، وابن حبان (الإحسان (9/ 225)، والبيهقي في الاعتقاد ص 76، والبزار (كشف الأستار 3/ 33)، والضياء في المختارة (4/ 254، 256). وقد صححه البيهقي في الاعتقاد ص 77، وابن القيم في طريق الهجرتين 397، والهيثمي في المجمع (7/ 216)، والألباني في السلسلة الصحيحة (3/ 419).

2 - حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) عند أحمد (4/ 24)، وابن أبي عاصم في السنة (1/ 176)، والضياء في المختارة (4/ 255 - 256)، والبيهقي في الاعتقاد ص 77، والبزار (كشف الأستار 3/ 33 - 34). وقد صححه البيهقي في الاعتقاد ص 77، وابن تيمية في الدرء (8/ 399)، وابن القيم في أحكام أهل الذمة (2/ 654)، والهيثمي في المجمع (7/ 216)، والألباني في تخريجه لكتاب السنة (1/ 176)، والسلسلة الصحيحة (3/ 419).
وللحديث طرق وشواهد عن عدد من الصحابة منهم: أبو سعيد الخدري، ومعاذ بن جبل، وأنس بن مالك. انظر في ذلك: مسند أبي يعلى (7/ 225)، المعجم الكبير للطبراني (20/ 605)، التمهيد (18/ 127 - 130)، كشف الأستار عن زوائد البزار (3/ 34)، الاعتقاد للبيهقي ص 77، مختصر الفتاوى المصرية 643، طريق الهجرتين 398، أحكام أهل الذمة (2/ 650 - 653)، تفسير ابن كثير (3/ 29 - 30)، مجمع الزوائد (7/ 215 - 217)، سلسلة الأحاديث الصحيحة (5/ 603).
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية (رحمه الله): «وقد رُوي بأحاديث حسان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من لم يكلف في الدنيا من الصبيان والمجانين, ومن مات في الفترة, يُمتحنون يوم القيامة ... » ا. هـ مختصر الفتاوى المصرية ص 643, وقال ابن كثير في التفسير (3/ 31): «إن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما نص على ذلك كثير من أئمة العلماء, ومنها ما هو حسن, ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن. وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها» ا. هـ, وقال الحافظ في الفتح (3/ 246): «وقد صحت مسألة الامتحان في حق المجنون, ومن مات في الفترة من طرق صحيحة» ا. هـ.

الصفحة 295