كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
لا يُخْلِفُ وعدَه أبدا؛ لأن اللَّهَ يقولُ: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} وإن أَوْعَدَ بشرٍّ فإيعادُه بالشرِّ له حَالَتَانِ:
تَارَةً يكونُ وعيدًا للكفارِ. وهذا لا يُبَدَّلُ بحالٍ، ويدلُّ عليه قولُه هنا: {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ}؛ لأن الكلامَ في الكفارِ الذين يهددُهم اللَّهُ. أي: ما يُوعِدُكُمُ اللَّهُ من العذابِ وَاقِعٌ لاَ محالةَ، يدلُّ عليه قولُه: {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} كما سَنُفَسِّرُهُ، وقد صَرَّحَ اللَّهُ في آياتٍ من كتابِه أن وعيدَه للكفارِ لاَ يُخْلَفُ حيث قال فِي سورةِ (ق): {قَالَ لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [ق: الآيتان 28، 29] والمرادُ به على التحقيقِ: ما وُعِدَ الكفارُ به من عذابِ النارِ. وقال جل وعلا: {كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ} [ق: الآية 14] حَقَّ: معناه ثَبَتَ وَوَجَبَ، وما قال اللَّهُ فيه: «إِنَّهُ ثَبَتَ وَوَجَبَ» لا يمكنُ أن يتخلفَ، و (الفاءُ) في قولِه: {كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ} من حروفِ التعليلِ، وقد تقررَ في الأصولِ في (مسلكِ النصِّ) وفي (مسلكِ الإيماءِ والتنبيهِ) أن (الفاءَ) من حروفِ التعليلِ (¬1) كما تقولُ: «سَهَا فَسَجَدَ»، أي: لِعِلَّةِ سَهْوِهِ. و «سَرَقَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ» أي: لِعِلَّةِ سرقتِه. و «أَسَاءَ فَأُدِّبَ». أي: لإساءتِه. {كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ} أي: وَجَبَ الوعيدُ لأجلِ تكذيبِ الرسلِ، ونظيرُه قولُه في (ص): {إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} [ص: الآية 14].
أما الوعيدُ الذي يجوزُ أن يُخْلَفَ: هو وعيدُ اللَّهِ لِعُصَاةِ المسلمين، فإن اللَّهَ أَوْعَدَ مُرْتَكِبِي الذنوبِ الكبائرِ بأنه يُعَذِّبُهُمْ، وهذا
¬_________
(¬1) مضى عند تفسير الآية (54) من سورة البقرة.