كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

{قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: الآية 135].
قرأ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ، ما عدا شعبةَ عن عاصمٍ: {اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} بالإفرادِ، وقرأه شعبةُ - وحدَه - عن عاصمٍ: {اعملوا على مكانتكم} بمدّ النونِ جمعِ مكانةٍ. وكذلك قرأَ شعبةُ في جميعِ القرآنِ. وقرأ عامةُ القراءِ أيضًا ما عدا حمزةَ والكسائيَّ: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ} بالتاءِ الفوقيةِ في قولِه: {مَنْ تَكُونُ} وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: {فسوف تعلمون من يَكونُ له عاقبةُ الدار} (¬1).
ولا إشكالَ في قراءةِ شعبةَ، ولاَ في قراءةِ حمزةَ والكسائيِّ؛ لأن قراءةَ شعبةَ أن كُلَّ واحدٍ له مكانةٌ يَعْمَلُ عليها، فَجُمِعَتِ المكاناتُ اعتبارًا بتعددِ المخاطَبين. وعلى قراءةِ الجمهورِ: {اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} فالمكانةُ أُضِيفَتْ إلى مُعَرَّفٍ وهي مفردٌ فَعَمَّتْ جميعَ المكاناتِ؛ لأن المقررَ في الأصولِ: أن المفردَ إذا أُضِيفَ إلى مُعَرَّفٍ صَارَ صيغةَ عمومٍ يشملُ جميعَ الأفرادِ (¬2)، كقولِه: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ} [النحل: الآية 18] أي: نِعَمَ اللَّهِ. وقوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: الآية 63] أي: عن أوامرِه {إِنَّ هَؤُلاَءِ ضَيْفِي} [الحجر: الآية 68] أي: ضُيُوفِي كما هو معروفٌ. فَكِلْتَا القراءتين
¬_________
(¬1) انظر: المبسوط لابن مهران ص 203، وانظر توجيه هذه القراءات في حجة القراءات ص 272، البحر المحيط (4/ 226)، الدر المصون (5/ 158).
(¬2) مضى عند تفسير الآية (47) من سورة البقرة.

الصفحة 310