كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

صاحبه، وقالوا لصاحبه: بينك وبين بُسْتَانِكَ، فَكُلْ ما شِئْتَ، وَبِعْ ما شئت، وتصَرَّفْ فيه كيْفَ شِئْتَ، ولكنه عند الجذاذ أدِّ قدر هذا الخرص تمراً يابساً، أو زبيباً يابساً (¬1). وهذا لم يخالف فيه إلا القليل من العلماء، فجماهير العلماء على الخرص، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تَبُوك لما مرّ بِوَادِي القرى نزل بحائط امرأة، فقال لقومه: اخرصوا كم يخرج منه؟ فخرصوا، وخرصه النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الخارصين، وقال لها: في خرصه: «أرى أن تحصُلَ منه عشرةَ أوْسُقٍ من التَّمْرِ اليَابِس، واحْفَظِيهِ حتى نرجِعَ من سَفَرنا» فلما رجعوا من غزوة تبوك سألوا المرأة فقالت: خرج منه عشرة أوسق مطابقة لحزره - صلى الله عليه وسلم - (¬2). مضمون هذا الحديث ثابت في صحيح مسلم والبخاري، وهو يَدُلّ على أن الخرص حَق، وأنه سُنَّة.
والظاهر أنهم ما خرصوه إلا ليأخذوا زَكَاتَهُ إذا كانوا قافلين، والأحاديث الكثيرة في أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث الخارصين، كعبد الله بن رواحة وغيره إلى يهود خَيْبَر، فيخرص عليهم النخل، ويقول لهم: إن شئتم خذوه بهذا الكيل، وإن شئتم دعوه لنا بهذا الكيل (¬3)، هذا معروف.
¬_________
(¬1) انظر: المجموع (5/ 477)، المغني (2/ 569)، القرطبي (7/ 105).
(¬2) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب: خرص التمر، حديث رقم: (1481) (3/ 343 - 344)، وأخرجه في مواضع أخرى، انظر الأحاديث: (1872، 3161، 3791، 4422). ومسلم، كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم -، حديث رقم: (1392) (4/ 1785).
(¬3) في بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن رواحة (رضي الله عنه) خارصاً ورد عدة أحاديث منها:
1 - حديث عائشة (رضي الله عنها) عند أحمد (6/ 163)، وعبد الرزاق (4/ 129)، وأبي عبيد في الأموال ص 432، وأبي داود في الزكاة، باب متى يخرص التمر. حديث رقم: (1591) (4/ 495) وفي البيوع، باب في الخرص. حديث رقم: (3396)، (9/ 276)، والترمذي في الزكاة، باب ما جاء في الخرص (3/ 28)، والبيهقي (4/ 123)، والدارقطني (2/ 134)، وابن خزيمة (4/ 41). وقال الألباني: «إسناده صحيح على شرط مسلم» اهـ. وانظر: تلخيص الحبير (2/ 171)، والإرواء (3/ 280).
2 - حديث ابن عباس (رضي الله عنهما). عند ابن ماجه في الزكاة، باب خرص النخل والعنب، حديث رقم: (1820) (1/ 582). وانظر: الإرواء (3/ 282)، صحيح ابن ماجه (1/ 305).
3 - حديث ابن عمر (رضي الله عنهما) عند أحمد (2/ 24)، والطحاوي في شرح المعاني (2/ 38)، وانظر: الإرواء (3/ 281).

الصفحة 323