كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
أَيَامَ يَدْعُونَني الشَّيْطَان مِنْ غَزَلٍ ... وَكنَّ يَهْوَيْنَني إذْ كُنْتُ شيطاناً
ثم قال: {إِنَّهُ} أي: الشيطان {لَكُمْ} يا بني آدم {عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أي: بيّن العداوة ظاهرها؛ لأن الشيطان هو عدو بني آدم؛ لأن زَعْمَ الخبيث أن سبب شقائه هو آدم، حيث امتنع من السجود له، وقال: ما دام آدم هو سبب شقاء البعيد فسيبذل كل مجهود حتى يُشقي أولاد آدم، وقد أظهر العداوة لله لبني آدم مجاهرًا بها، ولم يكتمها، ولم يوارِ حيث قال: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)} [الأعراف: الآيتان 16، 17] {أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} الأظهر في تفسيرها أن معنى: {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} [الإسراء: الآية 62] لأقودنهم إلى المهالك بتزييني، من قول العرب: احْتَنَكَ الرجل البعير: إذا جعل الحَبْلَ على حَنَكَيْهِ فَقَادَهُ بِالحَبْلِ على حنكيه حيث شاء، وقال هذا مرارًا: {رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: الآية 39] {وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ} [النساء: الآية 119] فقد أظهر العداوة، فربنا يقول: كونوا عقلاء، واعرفوا عدوكم من صديقكم، واعرفوا أن الشيطان عدوكم، فلا تتبعوا خطوات الشيطان {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: الآية 6] {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} [الكهف: الآية 50] وهذا قد قاله للأب والأم الكبيرين، ولكن الله لم يشأ أن ينفعهما بذلك، حيث قال لآدم: {يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ