كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
في الرحم لحرّم الجميع، فتبين كذبهم وبطلانهم، ثم أتبع هذا بقوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ}؛ لأنهم لما أعيتهم الحجة، ذكر المؤرخون أن رئيسهم الذي ناظر النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا مالك بن عوف الجُشَمي الهوازني، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: «إذا كنتم تحرمون الذكور فَلِمَ فرقتم بين ذَكَرٍ وذَكَرٍ؟ وإذا كنتم تحرِّمون الإناث فما العِلَّة التي فَرَّقْتُمْ بِهَا بَيْنَ أنْثَى وأُنْثَى، أو الله أمَرَكُمْ بهذا؟» {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذَا} [الأنعام: الآية 144] فَبُهِتَ وسكت (¬1).
وكانوا إذا عجزوا وغُلِبُوا بالدليل قالوا: وجدنا عليها آباءَنَا والله أمرنا بها، فقطع الله دابر ذلك أيضًا فقال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً} وقال: إنه أمره بالباطل {قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء} [الأعراف: الآية 28] لأجل أن يضل الناس بغير علم، أي: بتشريع جاهلي بغير علم {إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} وهذه الآية يدخل فيها كُلّ مَنْ قَال بأمورٍ لا توافق الشرع، ودعا خلقاً يتبعونه إليها فإنه يدخل في عمومها.
وقوله: {لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} فيه سؤال معروف؛ لأن
¬_________
(¬1) هذه الرواية أوردها البغوي في التفسير (2/ 137)، وأبو حيان في البحر (4/ 239) دون عزوٍ لمن خرّجها.
ولمالك بن عوف مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قدم عليه حديث له تعلق بهذه الآية لكنه بسياق آخر غير هذا. وقد أخرجه أحمد (3/ 473)، (4/ 136، 137)، والطيالسي ص 184، وابن جرير (11/ 121، 122)، والبيهقي في السنن (10/ 10)، وابن أبي حاتم (4/ 1220)، وعزاه السيوطي في الدر (2/ 337) لعبد بن حميد، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات.