كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
القرآن رجوع الضمير إلى المضاف إليه لكن مع قرائن تدل على ذلك، كقوله: {لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ} [غافر: الآيتان 36، 37] أي: موسى، وهو المضاف إليه هنا، فهذا قد يقع، وجاء في القرآن قليلاً، إلا أن القرينة تُعَيِّنُه، أما الأصل اللغوي العَرَبِي فهو رجوع الضمائر والإشارات إلى المُضَاف لا المضاف إليه، وإتيان الأحوال من المضاف لا المضاف إليه، إلا إذا كان عاملاً فيه، أو جزءاً منه، أو كجزءٍ منه، كما هو معروف في النحو.
والحاصل أن القرآن سكت عن شحم الخنزير وحَرَّمَ لحْمَهُ، وأجمع العلماء على تحريم شَحْمِهِ قياساً على لحمه، وفيه أمور كثيرة يغلط فيها ابن حزم ومن وافقه من المتشددين؛ لأنه في الآونة الأخيرة صار يطلع طلبة علم صغار قليلة بضاعتهم من العلم، ينظرون شيئاً قليلاً من الحديث، ويطعنون في الأئمة -رضي الله عنهم وأرضاهم- ويقولون: قال في الحديث الفلاني، وشرعوا من أنفسهم اعتماداً على كتب ابن حزم، وكل هَذَا غَلَطٌ، وكثير من الأشياء يَدَّعِي ابْنُ حَزْمٍ أنَّ اللهَ سَكَت عنها، وأن الوحي لم يَتَعَرَّضْ لها، ويستدل بحديث: «إن اللهَ أبَاحَ أشْيَاء، وحَرَّمَ أشْيَاء، وسَكَتَ عَنْ أشْيَاء لا نِسْيَاناً، فَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عفْوٌ» (¬1)
فيدعي أنه سكت
¬_________
(¬1) ورد في هذا المعنى عدة أحاديث، وهي وإن كانت لا تخلو من ضعف إلا أن بعضها يتقوى بغيره، والله أعلم، فمنها:
1 - حديث سلمان (رضي الله عنه) (مع الخلاف في رفعه ووقفه) عند الترمذي في اللباس، باب ما جاء في لبس الفراء، حديث رقم: (1726)، (4/ 220)، وابن ماجه في الأطعمة باب أكل الجبن والسمن، حديث رقم: (3367)، (2/ 1117)، والحاكم (4/ 115)، والبيهقي (9/ 320)، (10/ 12). وانظر: صحيح الترمذي (2/ 145)، وصحيح ابن ماجه (2/ 240)، غاية المرام ص 15، المشكاة (2/ 1220).
2 - حديث أبي ثعلبة الخشني (رضي الله عنه) (مع الخلاف في رفعه ووقفه) عند الدارقطني (4/ 184)، والحاكم (4/ 115)، والبيهقي (10/ 12 - 13)، وانظر مجمع الزوائد (1/ 171)، وهو أضعف هذه الأحاديث.
3 - حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عند الدارقطني (4/ 297 - 298) والبزار كما في (كشف الأستار (3/ 85، 325)، والحاكم (2/ 375)، والطبراني في الصغير (2/ 122). وانظر: مجمع الزوائد (1/ 171)، (7/ 55، 208)، وقد حَسَّنَهُ الألْبَانِي في غاية المرام ص14.