كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
أن يكون مساوياً له، وبكل منهما إما أن يكون وجه الفرق بينهما مُحَقَّقاً يقيناً، وإما أن يكون مظنوناً ظنّاً غالباً مزاحماً لليقين، فالمجموع أربعة، من ضرب اثنين في اثنين:
الأول: ما كان المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، ونفي الفارق بينهما في الحكم مُحَقَّق لا شك فيه. ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: الآية 23]، فالمنصوص عنه هنا النهي عن التأفيف أمام الوالدين، والمسكوت عنه ضرب الوالدين، وهذا المسكوت عنه- الذي هو الضرب- أولى بالحكم الذي هو التحريم من هذا المنطوق به الذي هو التأفيف؛ لأن الضرب أشد أذيةً من التأفيف، فابن حزم يقول هنا: إن الضرب مسكوت عنه، ولم يؤخذ حكمه من هذه الآية (¬1). ونحن نقول: لا، الضرب ليس مسكوتاً عنه في هذه الآية، بل هو مفهوم من باب أولى من النهي عن [التأفيف] (¬2).
ونظيره قوله تعالى في الرجعة والطلاق: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق: الآية 2] فالمنطوق: شهادة العَدْلَيْنِ، والمسْكُوتُ عَنْهُ: شَهَادَةُ أرْبَعة عدول، فلو أشهد رجل أربعة عدول على رجعته أو طلاقه فلا شك أن ذلك نافذ، ولا نقول: إن المنصوص عليه الاثنين، والأربعة غير منصوصة؛ لأن هذا المسكوت عنه الذي هو الأربعة أولى بالحكم من هذا المنطوق به الذي هو الاثنان، ونفي الفارق هنا مُحَقَّق لا شك فيه.
ومن أمثلته في القرآن: قوله تعالى في الزلزلة: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)} [الزلزلة: الآيتان 7، 8]،
¬_________
(¬1) انظر: الإحكام ص 891.
(¬2) في الأصل: «التحريم» وهو سبق لسان.