كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
عنه ويؤدى بدفعه لمستحقه، وهو تنبيه بأن النظير له حكم النظير، وقد ثبت في الصحيحين أيضاً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاءه رجل، هذا الرجل كان أبيض، وكانت امرأته بيضاء، فولدت له غلاماً أسود، ففزع من سواد الغلام، واعتقد أن امرأته زنت بأسود، وجاءت بهذا الغلام، فجاء للنبي فَزِعاً، والظاهر أنه كان يريد اللعان لِيَنْفِي عنه هذا الولد الأسود، فأخبر النبي أن امرأته ولدت أسود!! فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهذا الرجل: «أَلَكَ إِبِلٌ؟» قال: نعم.
قال: «مَا أَلْوَانُهَا؟» قال: حمر، قال: «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَق؟» قال: نعم -والأوْرَق: الذي لونه الوُرْقة، وأشبه شيء بلون الوُرْقَة هو لوْنُ حَمَامِ الحرَمِ هَذَا؛ ولذاكم تسمى الواحدة منه بالوَرْقَاء، ويسمى جمعه بالوُرْق، أي: أخضر اللون- قال: نعم، إن فيها لَوُرْقاً، قال: «مِنْ أَيْنَ جاءَتْها تلك الوُرْقَة والسَّواد؟» مع أن أباها أحمر وأمها حمراء، قال: لعل عِرْقاً نَزَعَها. يعني جَدّاً بعيداً كان أسود نزعها، قال له: «وهَذَا الغُلَامُ لعَلَّ عِرْقاً نزَعَهُ» (¬1). لَعَلَّ أحَدَ أَبَوَيْهِ كان عِنْده جد أسود من بعيد فنزَعَهُ، فاقتنع الأعرابي لما جعل له النبي -قاس له- النظير بالنظير، فَكَمَا أن أولاد الإبل تنزعها عروق فتصير بها سوداً، فكذلك أولاد الآدميين قد تنزعها عروق بعيدة، وهو إلحاق النظير بالنظير.
ومن هذا المعنى أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصائم يُقَبِّل امرأته؟! فقال له: «أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضَ؟» وهذا الحديث في سنن أبي داود بسندٍ أقل درجاته
¬_________
(¬1) أخرجه البخاري في الطلاق، باب إذا عرَّض بنفي الولد، حديث رقم: (5305)، (9/ 442)، ومسلم في اللعان، حديث رقم: (1500)، (2/ 1137، 1138).