كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
عن طاعة الله؛ لأن النَّحْرَ وإِرَاقَةَ الدم من أعظم القربات التي يُتَقَرّب بها إلى الله (جل وعلا)، وهي من الحِكَم التي نادى فيها للحج: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً} [الحج: الآية 27] ثم بين الحِكَم فقال: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: الآية 28]، ذكرها عند التذكية تقَرُّباً بها إلى الله، وقَدْ بَيَّنَ الله (جل وعلا) أَنَّ مَنْ تَقَرَّبَ بالدِّمَاءِ يريد وَجْهَ اللهِ أن ذلك من التَّقْوَى الذي يرضي الله: {لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} [الحج: الآية 37] ولذا كان الشيء إذا ذُبِحَ لِغَيْرِ الله كان ذلك من أكْبَرِ الكُفْرِ، وكانت تلك الذَّبِيحَةُ مِنْ أخْبَثِ الخبث، وذلك الفعل من أفْسَقِ الفِسْقِ؛ ولذا سَمَّاهُ اللهُ فِسْقاً.
وأصل الإهلال في لغة العرب هو رفع الصوت (¬1)، تقول: اسْتَهَلَّ المولُودُ صارخاً: إذا رَفَعَ صَوْتَهُ عند الولادة، وإنما سُمِّيَ الشهر (هلالاً) لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم عند رؤيته، وإنما قيل له: {أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ} لأنهم كانوا إذا ذبحوا لغير الله رفعوا أصواتهم باسم الأصنام، فصار يُطلق على كل ما ذُبِحَ لغير الله: (أهل لغير الله به).
ثم بَيَّنَ (جَلَّ وَعَلَا) أن هذه المحرمات الأربع، التي هي: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، أن مَحَلَّ تَحْرِيمِهَا ما لم تَدْعُ الضرورة الفَاحِشَةُ إلَيْهَا، أما إن دَعَتِ الضرورة إليها فإنَّها تُبَاحُ لِلضَّرُورَاتِ؛ لأن هذا النبي الكريم -سيد الرسل،
¬_________
(¬1) انظر ابن جرير (3/ 319)، المفردات (مادة: هلل) 843، القرطبي (2/ 224).