كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
طاءً، وبُني الفعل للمفعول، فقيل: {فَمَنِ اضْطُرَّ} أي: فمن أُلجِئَ.
ولم يُبَيِّنْ هنا هذه الضرورة المُلْجِئَة، وقد بين في موضع آخر أنَّهَا الجوع، كما قال: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ} [المائدة: الآية 3] والمَخْمَصَة: الجوع (¬1). والقرآن يُبَيِّنُ بَعْضُهُ بَعْضاً، يعني: فَمَنْ أَلجَأَتْه الضرورة إلى أكل الميتة، أو ما أُهِلَّ به لغير الله، أو لحْمِ الخنزير، فإن ذلك يُبَاحُ.
والضرورات المُلْجئة عند العلماء هي: أن يخاف على نفسه الموت، أو يظن ذلك ظنّاً قويّاً (¬2).
وقد قدمنا في سورة البقرة مسائل متعددة من الاضطرار إلى الميتة، منها: إذا اضطر إلى الميتة بأن خاف على نفسه الهَلَاك إن لم يأكل، هل يجوز له أن يشبع؟ أو لا يأكل إلا قدر ما يَسُد الرَّمَق ويُمْسِك الحياة؟ (¬3) فذهب جماعة من العلماء إلى أن له أن يشبع ويتزود، وهو المشهور المعروف من مذهب مالك (¬4).
أما قول خليل في مختصره: «وللضَّرُورَةِ ما يَسُدّ» فذلك مشهور مذهب مالك، ولَيْسَ هو المَرْوِي عن مالك، وإنما هو قول لبعض أصحابه، فَمَذْهَب مالك المعروف، أنه يأكل ويشبع ويَتَزَوَّد، فإن
¬_________
(¬1) انظر: المفردات (مادة: خمص) 299.
(¬2) انظر: أضواء البيان (1/ 109)، وراجع ما سبق عند تفسير الآية (119) من سورة الأنعام.
(¬3) انظر: السابق (1/ 107)، وراجع ما سبق عند تفسير الآية (119) من سورة الأنعام.
(¬4) انظر: الموطأ ص 334، أحكام القرآن لابن العربي (1/ 55)، القرطبي (2/ 227).