كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
فإن قال قائل: قد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث يدل على أن الواو تقتضي الترتيب، وهو تفسيره للواو في قوله: {إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ} [البقرة: الآية 158] فبدأ بالصفا، وقال: «نبدأ بما بدأ الله به» (¬1) وفي بعض رواياته: «ابدَؤُوْا بما بدأ الله به» (¬2).
فالجواب عن هذا هو ما أجاب به غير واحد من علماء العربية: أن الواو من حيث وضعها العربي لا تقتضي تقديماً ولا تأخيراً، وإنما تقتضي مطلق التشريك، سواء كان المعطوف بها هو الأول أو هو الآخر، أو كانا مجتمعين في وقت واحد، كقوله: {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ} [العنكبوت: الآية 15] لأن إنجاءهما في وقت واحد، إلا أنه إذا دلّ دليل خارجي على أنها يراد بها الترتيب فلا مانع، ولكن الترتيب بذلك الدليل الخارجي لا لأصل الواو في نفسها، ومنه قول حسّان، على من رواه بالواو (¬3):
هَجَوْتَ مُحمداً فأجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللهِ فِي ذَاكَ الجَزَاءُ
لأن الإجابة إنما هي بعد الهجاء لا مانع من أن تقتضي الترتيب إذا دل عليه دليل خارجي، وهنا لم يدل عليه دليل خارجي، وجماهير المفسرين - كما قاله كبير المفسرين أبو جعفر الطبري- أن معنى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} أي: قابضك إليّ كاملاً وافياً بِجَسَدِكِ وروحك،
¬_________
(¬1) أخرجه مسلم في الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث رقم (1218) (2/ 886).
(¬2) الحديث بهذا اللفظ: أخرجه أحمد (3/ 394)، الدارقطني (2/ 254)، والبيهقي (1/ 85). وقد حكم بعض العلماء على هذه اللفظة بالشذوذ. انظر: التلخيص الحبير (2/ 250)، خلاصة البدر المنير (2/ 11)، نصب الراية (3/ 54)، إرواء الغليل (4/ 316).
(¬3) انظر: ديوان حسان ص 20.