كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
احتجوا بهذه الحجة الباطلة، والكلام الذي هو من جهة حق أُريد به الباطل {لَوْ شَاء اللهُ} قالوا: نعم، إنّ شِرْكَنَا كُفْرٌ، وأنه مودي للنار، وإن ما حرمنا تحريمٌ افتراءٌ على الله، وأنَّا ندخل به النار، هذا الذي فعلنا بمشيئة الله، لو شاء الله عدم إشراكنا ما أشْرَكْنَا، ولو شاء أنْ لم نُحَرِّمْ شيئاً ما حرَّمْنَا شيئاً، فلما كان قادراً على مَنْعِنَا ولم يمنعنا دلّ ذلك على أنه راضٍ بفعلنا؛ ولذا قالوا: {لَوْ شَاء اللهُ} عدم إشراكنا {مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} يعني: ولا أشرك آباؤنا، وإنَّمَا سَوَّغَ العطف هنا على ضمير الرفع المنفصل: الفصلُ بين العطف والمعطوف بـ (لا)، وهو مذهب الكوفيين، وهو صحيح؛ لأن القرآن جاء بمذهب الكوفيين هُنَا، وفي مذهب البصريين في (النحل)؛ لأن مذهب البصريين: أنَّ ضَمِيرَ الرفع المتصل لا يُعطف عليه إلا في الإتيان بضمير رفع منفصل كـ (نحن) في قوله في (النحل): {لَوْ شَاء اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا} [النحل: الآية 35] والكوفيون يقولون: يكفي أي فاصل (¬1)
و (لا) هنا فاصلة، فهي تكفي، وهو الحق؛ لأن القرآن نزل به.
{لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} [الأنعام: الآية 148] يعني هذا التحريم الذي فعلنا، والشرك الذي فعلنا هو بمشيئته، ولو شاء لمنَعَنَا، فلما لم يمنعنا عرفنا أنه راضٍ بفعلنا، وهذه الجُمل، قولهم منها: {لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا} هذا كلام صحيح لا شك فيه، ولكنه كلام حق أُريد به باطل؛ لأنهم يزعمون أنه لما كان قادراً على منعهم ولم يمنعهم أن ذلك رضاً منه، والله يقول:
¬_________
(¬1) انظر: البحر المحيط (4/ 246)، الدر المصون (5/ 210)، التوضيح والتكميل (2/ 184)، النحو الوافي (3/ 630).