كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
إلى ما سبق به علمه فأتَوْهُ طائعين فدخلوا النار {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ} [الإنسان: الآية30] فالله (جل وعلا) يَصْرِفُ قُدر الخلق وإراداتهم حتى يأتوا ما سبق به العلم الأزلي، يأتوه طائعين؛ ولذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» (¬1).
ولا شك أن الجاهل يقول هنا: ما الحكمة عند الله وهو الرءُوفُ الرَّحِيم الكريم أن يخلق قوماً ويجبلهم على الخبث، ويصرف إراداتهم إلى ما يستوجبون به العذاب الأليم مع أنه الرّحْمَن الرحيم؟!
هذا سؤال إلحادي قد يقع في قلوب كثير من الملاحدة.
والجواب عن هذا: أن خالق السماوات والأرض الجبار (جل وعلا) غَنِيٌّ عن جميع الخلائق، غَنِيٌّ بذاته الغِنَى المطلق {إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [إبراهيم: الآية 8] وإنما خلق الخلق ليُظهر فِيهِمْ بَعضَ أسرار عظمته، وأسرار أسمائه وصفاته، فلو لم يخلق إلا المُطِيعينَ، ولم يكن -أبداً- إلا الثواب كان ذلك إدلالاً عليه، وسبباً للجراءة على الجناب الكريم؛ لأن الذي لا يخاف يدل بمحبته، وقد يقع في الجناب الأعظم بما لا يليق، ولما خلق قوماً أشقياء ظهر فيهم ما عنده من الإنصاف والحكمة البالغة، وظهر فيهم بعض أسرار أسمائه كالجبار، والقهار، وظهر فيهم عظمته وقوته وشدة عقابه ونكاله؛ ليحصل الخوف من جانب، وخلق قوماً آخرين ووفقهم إلى الخير؛ ليظهر فيهم بعض أسرار أسمائه وصفاته؛ من الرأفة، والرحمة، والحلم، والكرم، والجود؛ ليجمع بين المَحَبَّةِ
¬_________
(¬1) مضى تخريجه عند تفسير الآية (39) من سورة الأنعام.